صحيفة لوموند الفرنسية / الكاتب: فريدريك بوبن
يؤكد الهجوم الذي شُن على مقر المؤسسة الوطنية للنفط في العاصمة الليبية، وتبناه تنظيم الدولة يوم الثلاثاء، أن هذه الجماعة المتطرفة عادت لتنشط من جديد في البلاد بعد ما يقرب السنتين من هزيمتها في سرت.
تعد هذه العملية التي نفذها تنظيم الدولة في قلب طرابلس علامة على تجدد نشاطه العسكري في ليبيا، بعد مرور عشرين شهرا على تدمير آخر معاقله في سرت. ويوم الثلاثاء الموافق لتاريخ 11 أيلول/ سبتمبر، أعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عن الهجوم الذي وقع قبل يوم ضد مقر المؤسسة الوطنية للنفط. ووفق المصادر الرسمية، أسفر هذا الهجوم عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل من بينهم المهاجمان. وفي بيان أذاعته مجموعة “سايت” للاستخبارات، المركز الأمريكي لمراقبة الجماعات الإسلامية المتطرفة، تمت الإشارة إلى أن تنظيم الدولة يستهدف “الطغاة الموالين للصليبيين في ليبيا” وورد أيضا أن “حقول النفط التي تعود بالنفع على الصليبيين ومشاريعهم في ليبيا هي أهداف مشروعة للمجاهدين”.
إن المؤسسة الوطنية للنفط هي الشركة العمومية التي تشرف على قطاع النفط، المورد الطبيعي الرئيسي للبلاد، وهي الشريك الأساسي للشركات متعددة الجنسيات التي تساهم في استغلال النفط في ليبيا. من خلال مهاجمة هذه المؤسسة الليبية الرمزية، التي تتخذ من العاصمة مقرا لها، يسعى تنظيم الدولة لإثبات أنه لا يزال موجودا رغم الإطاحة به في سرت، في كانون الأول/ ديسمبر من سنة 2016.
اندلاع أعمال العنف في طرابلس
جدّ الهجوم الذي شن مؤخرا على المؤسسة الوطنية للنفط بعد أكثر من أربعة أشهر من وقوع هجوم مماثل، من النوع الانتحاري، ضد المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، التي تتخذ هي الأخرى من طرابلس مقرا لها، وقد أسفر الهجوم عن مقتل 14 شخصًا. وكانت الهجمات البارزة لتنظيم الدولة في قلب العاصمة الليبية استثنائية. وكان لابد من العودة إلى الهجوم الذي شن ضد فندق “كورنثيا”، في كانون الثاني/ يناير من سنة 2015، الذي تسبب في مقتل عشرة أشخاص، كي نرى المنظمة الجهادية تضرب بهذه الطريقة في طرابلس.
إن تحركات تنظيم الدولة الأخيرة التي وقعت بعد أيام قليلة من اندلاع العنف، الذي كانت طرابلس مسرحا له خلال الفترة الفاصلة بين 27 آب/ أغسطس والرابع من أيلول/ سبتمبر، ليست اعتباطية. وقد جدت اشتباكات بين الميليشيات التي تتنافس على تخصيص موارد الدولة، على الرغم من أنها موالية رسميا لحكومة “الوفاق الوطني” بقيادة فايز السراج. وقد سعى “اللواء السابع”، القادم من مدينة ترهونة بالضاحية الجنوبية من العاصمة، للسيطرة على منافذ الوصول إلى المطار الدولي المغلق منذ سنة 2014، الذي كان سابقا تحت سيطرة ميليشيا قادمة من وسط المدينة.
تم التوقيع على وقف إطلاق النار في الرابع من أيلول/ سبتمبر، لكن هذا الانقلاب الجديد في موازين القوى العسكرية في منطقة طرابلس، التي استعادت استقرارها بشكل ملموس خلال العام الماضي، يفتح ثغرات يبدو أن تنظيم الدولة أحسن استغلالها. وقال أحد الخبراء الأمنيين في ليبيا إن “الهجوم على المؤسسة الوطنية للنفط ليس نتيجة مباشرة للقتال الأخير في طرابلس، لأن تشكيل خلية إرهابية وتفعيلها في طرابلس يستغرق من ثلاثة إلى أربعة أشهر”.
ولكن هذا الارتباك لا يساعد على مكافحة الإرهاب في العاصمة بفاعلية. فقد تمكنت المنظمة الجهادية على المستوى الوطني من استغلال الانقسام المستمر بين طرابلس في الغرب حيث تعمل حكومة فايز السراج، وبرقة في الشرق التي يسيطر عليها المارشال خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي.
هل باتت ليبيا “ملاذا للجماعات الإرهابية”؟
تشير المعطيات خلال الأشهر الأخيرة إلى أن عمليات الكوماندوز الخاصة بتنظيم الدولة قريبة من العاصمة جغرافياً. فبعد انهياره في سرت في نهاية سنة 2016، بعد معركة استمرت ستة أشهر، عملت المنظمة الجهادية خلال السنة الماضية على إعادة تنشيط شبكاتها في جميع أنحاء المنطقة الصحراوية جنوب معاقلها السابقة. وقد تعرضت للهجوم بشكل رئيسي في نقاط التفتيش التابعة للجيش الوطني الليبي، بقيادة المارشال خليفة حفتر، في المنطقة الواقعة بين سرت وأجدابيا، وعلى مقربة من منشآت الهلال النفطي، وهي عبارة عن هلال من المحطات التي يمر من خلالها ثلثا النفط الخام الليبي.
منذ الهجوم على مقر المفوضية العليا للانتخابات في العاصمة في شهر أيار/ مايو، تبين بوضوح أن قدرات تنظيم الدولة، بعد إعادة تشكيل صفوفه، تشجعه على الاهتمام أكثر بمنطقة طرابلس. فبتاريخ 23 آب/ أغسطس، استهدف أحد أفراد القوات الخاصة للتنظيم نقطة تفتيش بين مدينتي الخمس وزليتن، تقع على بعد مائة كيلومتر شرق العاصمة. ويؤكد هذا الاعتداء الأخير على المؤسسة الوطنية للنفط بطرابلس هذا التوجه.
لا يمكن للسلطات الليبية، التي تعيقها الانقسامات، أن تقود أي قتال فعال ضد خطر تنظيم الدولة المتنامي، سوى من خلال الاعتماد في الوقت الحالي على الغارات الجوية لأفريكوم، القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا. ووفق موقع الويب المختص “لونغ وور جورنال” نفذت أفريكوم منذ بداية سنة 2017، 17 غارة جوية ضد الأهداف الجهادية في ليبيا، حيث شنت 15 غارة منها ضد تنظيم الدولة واثنتان ضد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. كما استهدفت غاراتها الثلاثة الأخيرة، في السادس و14 حزيران/ يونيو، و28 آب/ أغسطس، مواقع تنظيم الدولة في منطقة بني وليد، التي تقع على بعد 150 كيلومترا جنوب شرق طرابلس.
تعتبر بني وليد، كما سرت، معقلا سابقا لأنصار القذافي، ويمكن للنواة الجهادية أن تستغل استياء سكانها من النظام “الثوري” بعد سنة 2011. ويبدو أن إصرار أفريكوم على استهداف منطقة بني وليد يعني أنه يُنظر إليها الآن كمنصة إسقاط محتملة لتنظيم الدولة على طرابلس. وفي الخامس من أيلول/ سبتمبر أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أطلق المبعوث الأممي الخاص في ليبيا غسان سلامة ناقوس الخطر بقوله: “إن تواجد تنظيم الدولة وعملياته في ليبيا في تزايد، لذلك أنذر مجلس الأمن من إمكانية أن تصبح ليبيا ملاذا للجماعات الإرهابية من جميع الأطياف”.
التدوينة ليبيا: هل يشكل تنظيم الدولة خطرا محدقا بطرابلس؟ ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.