شهدت مدينة درنة الليبية منذ اندلاع ثورة فبراير، عشرات جرائم الاغتيال التى طالت عناصر الأجهزة الأمنية والقضائية ومن كان له تعاون أمنى مع نظام القذافى، كان المسؤول عنها مجموعات جهادية تعمل بشكل عشوائي، والتى استهدفت أيضاً المقرات الأمنية وعطلت أي مشروع يهدف إلي إرساء الأمن بالمدينة.
شكلت البيئة التى اختصت بها مدينة درنة ملاذا لأغلب عناصر الجماعات الجهادية من خارج البلاد ، ورغم أنها تختلف في الرؤى والمعتقد عن بعضها البعض، إلا أن تلك المرحلة التى مرت بها درنة جعلت من كل الجماعات الإسلامية توصف بالغلو والتطرف والإرهاب.
كان أول إعلان عن كيان جهادي في درنة هو لمجموعة “طلائع الخلافة” وذلك في عام 2012 والتى أعلنت في بيان تأسيسها عن مسؤوليتها عن عدة عمليات اغتيال في مدينة درنة، وأشارت لجناح عسكرى أخر يعرف بكتيبة الموت، توكل إليه مهام خارج المدينة.
وفي انتخابات المؤتمر الوطني العام حاولت ” طلائع الخلافة ” تعطيل عملية الانتخاب باستهداف مراكز الاقتراع قبل بدء العملية الانتخابية. وكانت هذه التجربة هي الوحيدة التى يشارك فيها سكان درنة بنجاح، فخلال انتخابات اللجنة التأسيسة للدستور اقتحم مسلحون مراكز الانتخاب، بينما منعت انتخابات مجلس النواب في يونيو/حزيران 2014.
استمرت عمليات الاغتيال والفراغ الأمني، مع وجود عدة مجموعات جهادية قامت بعضها باختطاف مواطنين لقاء فدية مالية. وأمام هذا الفراغ، حاولت هذه الجماعات إرساء أول مشروع يبسط سيطرتها على المدينة، فانطوت تحت مسمى “مجلس شورى شباب الاسلام” والذي شاركت فيه أغلب القوى الجهادية بمدينة درنة باستثناء كتيبة شهداء أبوسليم.
وعقب الإعلان عن تأسيس “مجلس شورى شباب الاسلام” شهدت المدينة استقرار أمنى ملحوظا، ومارس مجلس شباب الاسلام سلطته داخل المدينة عبر لجنة فض النزاعات والصلح بين الناس، وأقام عبر لجنته الشرعية عقوبات على المجرمين بحسب أحكام وحدود الشريعة الإسلامية.
إعلان الخلافة
وفي نوفمبر 2014 أعلن أبوبكر البغدادى زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام عن قبوله لبيعة من أسماهم بالمجاهدين في ليبيا وتكليف ولاة. فحل تنظيم مجلس شورى شباب الاسلام، ورفعت راية تنظيم الدولة عوضا عنه.
بايعت أغلب المجموعات الجهادية تنظيم الدولة، عدا جماعة أنصار الشريعة التى حافظت على استقلاليتها، بينما أعلنت كتيبة شهداء أبوسليم وكتيبة صلاح الدين ومجموعة من الثوار تأسيس ” مجلس شورى مجاهدى درنة ”
صلاحيات
مارس عناصر تنظيم الدولة الإسلامية نشاطه عبر تأسيسه لمجموعة من الدواوين، وهي لجان إدارية وتنفيذية، تدير بشكل مباشر شؤون السكان وعمل القطاعات الحكومية، فأسس التنظيم ديوان الحسبة والتعليم والقضاء والخدمات والأوقاف، وغيرها من الدواوين الخدمية والأمنية.
صادر التنظيم ممتلكات عدد من المواطنين ممن يشغلون مناصب أمنية أو قضائية فى الدولة وهم خارج المدينة، كما نفذ التنظيم عقوبات المحكمة الإسلامية التابعة له، وشهدت ساحة مسجد العتيق وسط المدينة تنفيذ أحكاما مختلفة، فقد أقدم التنظيم على قطع أيادى السارقين وقتل عناصر الأمن الموالين للواء المتقاعد خليفة حفتر، فضلا عن عمليات الجلد والتعزير.
وفتح تنظيم الدولة “باب الاستتابة” أي التوبة عن العمل في مؤسسات الدولة، خاصة الأمنية والعسكرية والقضائية. فسجلت المحكمة الإسلامية توافد العشرات من داخل مدينة درنة وخارجها لإعلان التوبة من العمل فى المؤسسات الأمنية والقضائية وبعض القطاعات الحكومية، وقام التنظيم بإرجاع ممتلكات “التائبين” وأعلن عبر بيانات رسمية بتنفيذ أقصى العقوبات على من يعتدى على أحد منهم.
العمل العسكرى
شن الجناح العسكرى لتنظيم الدولة الإسلامية عمليات عدة استهدفت قوات عملية الكرامة فى محيط مدينة درنة، حيث تمكن التنظيم من قتل عدد من عناصر الكرامة في منطقة عين مارة غرب درنة، وقتل العشرات من سكان منطقة القبة في عملية انتحارية، وذلك ردا على مقتل من وصفوهم برعايا التنظيم في درنة بعد غارات جوية شنتها مقاتلات مصرية في فبراير 2015م.
وصل التنظيم حتى منطقة لملودة غرب درنة، ونفذ عمليات في منطقة المخيلى جنوبا، وتمكن من تنفيذ عدة عمليات بمدينة طبرق شرق درنة، من بينها اقتحام مقر مجلس النواب بسيارة مفخخة، إلا أن السيارة تعثرت بسور المقر ولم تنفجر.
التنظيم داخليا
وعلى الصعيد الداخلى كان التوتر قائما ما بين تنظيم الدولة ومجلس شورى مجاهدى درنة وضواحيها. فعناصرعدة انضموا لتنظيم الدولة، وقد تورطوا في وقت سابق في قتل قياديين من كتيبة شهداء أبوسليم الكيان الأبرز بمجلس الشورى، من بينهم القيادى محمد أبوبلال والقياديان حسن الصايغ وماهر المسمارى.
عزز تنظيم الدولة صفوفه بقياديين من خارج ليبيا، كان من أبرزهم أبونبيل الأنبارى والذى قتل في غارة جوية أمريكية بمنطقة الفتائح ، فضلا عن كوادر عسكرية وأمنية، وصول المئات من الموالين لمشروع التنظيم من بلدان عدة.
بداية النهاية
مع استمرار تنظيم الدولة في بسط سيطرته على درنة، وسحب الصلاحيات من مختلف الجهات بالمدينة، وقع الصدام الأول مع مجلس الشورى وذلك بعد محاولة التنظيم منع أحد الخطباء الموالين للمجلس من اعتلاء المنبر، ومع تكرار التصادمات أعلن مجلس شورى مجاهدى درنة بيانا جاء بعنوان ” التحذير الأخير لغلاة التكفير” والذي كان بمثابة الإعلان عن الحرب على تنظيم الدولة في حالة قيامهم بالاعتداء على المواطنين بدرنة.
اغتال عناصر من تنيظم الدولة القيادى الأول بمجلس شورى مجاهدى درنة عبدالناصر بورواق الشهير بالعكر، فأطلق مجلس الشورى في يونيو 2015 عملية عسكرية كانت معدة مسبقا سيطر من خلالها على مدينة درنة في 4 أيام بمساندة أهالى المدينة.
انسحب تنظيم الدولة لمنطقة الفتائح، وترك مواقعه ونقاط التماس مع قوات حفتر وجمع كل قواته بتلك المنطقة، وشن التنظيم عدة عمليات عسكرية لإعادة السيطرة على درنة، إلا أنه لم ينجح في ذلك.
بعد معارك استمرت قرابة 10 أشهر فر التنظيم إلي مدينة سرت عبر الصحراء بعد فتح ثغرة فى صفوف المجلس عقب قيام عملية الكرامة بمحاصرة المجلس من المحور الجنوب الشرقى، وقطع التنظيم مسافة 800 كم حتى وصل إلى سرت.
التدوينة كيف انتهت أسطورة تنظيم الدولة في درنة شرق ليبيا ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.