طرابلس اليوم

الأربعاء، 15 مارس 2017

مثل ومغزى

,

صلاح الشلوي

لا يجوز أن يضرب الناس لله الأمثال، هذه مسلمة من مسلمات وركيزة من ركائز الاعتقاد الإيماني السليم، وهي مسألة متعلقة بعلم الله التي تكلم عنها القرآن واستفاض في الحديث عنها، بحيث لا يصلح معها أن تخدم الأمثال أي غرض من أغراض تقريب المعاني والمعارف مع طبيعة علم الله عزوجل المحيط بالزمان والمكان، بيد أن الأمثال تمثل مقاربات في المعاني وهذا لا يجوز مع طبيعة العلم المطلق المستوجب التصديق به لله عزوجل، ولا يتصور خلافه بحقه بحال.

إنما يضرب للناس أمثالهم لتقريب المعاني والدلالات إلى أذهانهم المحدودة بحدود الزمان والمكان في غير تلقى الأخبار، سواء أكانت صادقة أم كاذبة، فقد تتسع دوائر التوهم وتشغل مساحات أوسع مما يخل بمعادلات التوازن في عقل الإنسان، فيؤسس بذلك بناء أفكار وتصورات عقائده على الكثير من الخرافة والظن والتخريص، وتضيق بذلك دائرة الأفكار والتصورات والعقائد المؤسسة على اليقينيات من المعارف ومصادرها الصحيحة، حتى تنحط به البلادة ويقبل خراف أن الله يحتاج أن يتخذ صاحبة وولدا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ولكن الغريب أن العلم قد لا يكون لدى الإنسان أو من يحمله الضمانات الكافية من الانحطاط  وقد لا يرفع رأس حامله من أوهاق بلادته الفطرية وعشوائيات عمليات تفكيره الغبية، فيحصل أو ما يحصل هدر في الوقت والجهد الضائع ويتوهم صاحبه أنه يحسن صنعا، وتسيطر عليه فكرة غريبة شاذة مفادها ارتباط حمل الأسفار في ذهنه مع القدرة على فهم الواقع من حوله، فهو يرضخ لفكرة كفاية حمل الأسفار لمعرفة مجريات الأمور، فينطلق يتكلم في الناس بموجبات ما دون في القراطيس دون معرفة ولا قدرة على معرفة المفارقات الجذرية بين ما كتب في القراطيس قديما وبين ما جرى تاريخيا.

والقرآن نفسه وهو ” مصدر التفوق المعرفي النوعي” لمن أدرك كيف يتعامل مع القرآن يصف هذه الحالة في أشد صورها أو اقصى حالات الشذوذ التي يمكن أن تحدث، وهي أن يكون العلماء هم مصدر الجهل والتقول على الله عز وجل بما لا ينبغي له، فقال فيهم ” مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا” طبعا العديد منا يصرف سحابة عمره في حفظ المسائل والمتون ويرهق ركبته يزاحم بها الركب المثنية عند صحون الدروس في معاهد العلم المختلفة والمعروفة، ولكنه لم يستوعب حرف القرآن الذي درسه وأسرف في تعلم حقه ومستحقه من التلاوة والتجميل والتنمق، ولكن فاته معنى الحرف ودلالاته.

وظن أن قيل بخصوص الحمار الذي يحمل الأسفار خاص ومحصور حصرا قصريا على الكفار من الأمم السابقة، وفاته أنه مجرد مثل لحالة ذهنية وعقلية ونفسية تتكرر حتى مع من يحمل القرآن والسنة المطهر والفقه الشريف !!

وهنا الملام أعظم من الملام حول من حمل الكتب السابقة ولم يرفع بها رأسا، لأنها تعرضت للتحريف والتبديل والإخفاء فاستغلقت على الفهم، أما القرآن فهو يتلى اليوم كما هو مكتوب في اللوح، ويتغنى به كما تغنى به جبريل عليه السلام في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لا يحرك لسانه بل اتبع قرآنه حتى عقل وحفظ وفهم كل حرف فيه، ثم ثم ثم بلغه على بينه من ربه بأبي هو وأمي وقومي وروحي صلوات ربي عليه وسلامه وعلى آل بيته وعترته وازواجه أمهاتنا واصحابه وخلفائه ووزرائه.

التدوينة مثل ومغزى ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “مثل ومغزى”

إرسال تعليق