في لقاء صحفي لقائد عملية الكرامة خليفة حفتر نشرته منذ أيام مجلة “جون أفريك” الفرنسية تصدر من العاصمة باريس مختصه بالشأن الإفريقي، وكان اللقاء من مقر إقامته الدائم بمعسكر الرجمة، وجعلت المجلة من صورة حفتر صورة لغلافها لهذا العدد ورافق الصورة عنوان مثير للجدل اقتبسته من تصريحات حفتر “ليبيا غير ناضجة للديمقراطية” قد يكون سبب اهتمام الصحيفة بخليفة حفتر، وأكدت المؤشرات والدلائل دعما فرنسيا كبيرا لحفتر عسكريا وإعلاميا ودبلوماسيا.
وأعتقد أن الصحفي الذي أجرى الحوار كان جد محترفا فقد استطاع الغوص في نوايا حفتر والكشف عن أهدافه ورؤيته الحقيقة اتجاه الأزمة الليبية أيضا نظرته وتقييمه للمواطن الليبي، ويقول حفتر إننا كليبين غير ناضجين للديمقراطية أي إننا مازلنا قاصرين ومراهقين فاقد الأهلية وهذه على ما يبدو قناعة متأصلة لدى العسكر الطامحين للسلطة وهي ثقافة تفشت بين أبناء المؤسسة العسكرية الليبية الذين تلقوا تدريبهم في جمهورية مصر العربية.
حفتر وفي كلمته التلفزيونية في 24 ديسمبر الماضي يقول: “إنه وكتائبه المسلحة لن تخضع سوى لجهة منتخبة من الشعب، والشعب غير ناضج من منظور حفتر”.
تصريحات حفتر تؤكد حقيقة واحدة أن مشروعه الذي أطلقه منذ فبراير 2014 ما هو طموح عسكري لقيادة شعب قاصر يعيش المراهقة، ولكن ليس عبر صناديق الانتخابات بل عبر صناديق السلاح.
في التصريح ذاته كشف حفتر عن طموحه ورغبته الدفينة في أن تكون ليبيا دولة علمانية وهذا توافق وتطابق لرؤية حاكم أبوظبي محمد بن زايد، حيث أكده ولأكثر من مرة سفير أبوظبي في واشنطن يوسف العتيبة، ومن جهة أخرى فإن أربعة استطلاعات للرأي خلال السنوات 2012، و2013، و2014، أشرف عليها المعهد الديمقراطي الأمريكي واستطلاع آخر أشرف على تنفيذه مركز الدراسات بجامعة بنغازي، وكانت النتائج فيها جميعا متطابقة أكدت رغبة الشعب الليبي وبنسبة تتجاوز (98%)، أن تكون ليبيا دولة دينها الإسلام وأن يكون للشريعة الإسلامية دور في صياغة القوانين، فهكذا يريد الشعب الغير ناضج من منظور خليفة حفتر.
حفتر وصف أنصار نجل رأس النظام السابق سيف الإسلام القذافي بأنهم سدج وأغبياء وهنا لا أعلم ما هو رأي صالح إبراهيم ومصطفي الزائدي وميلاد الفقهي والطيب الصافي وعمران بوكراع، فهذه القيادات التي لم تنشق عن النظام السابق وكانت داعمة لحفتر وعملية الكرامة، وهنا أشاطر حفتر الرأي بأن هذه القيادات ساذجة، فقد أعمت رغبتهم في الثأر والانتقام بصيرتهم وأبصارهم، فكيف لرجال كانوا في سدت الحكم ولعقود من الزمن أن يضعوا نتاج عملهم وجهدهم لسنوات في سلة رجل عسكري كاهل؟.. اختزل نهاية عمره فقط للوصول إلى الحكم وبأي ثمن رجل استمرئ الانقلابات وانقلب على قائدهم مرتين، الأولى بعد أسره في تشاد والأخرى في فبراير 2011.
وأردف حفتر قائلا: “أن سيف القذافي فقير سياسيا”، ومن وجهة نظري أننا حتى وأن اختلفنا مع سيف يضل أكثر وعيا وثقافة من خليفة حفتر ومستشاريه، ولو كان حفتر يفقه سياسيا لكان أول شيء يفعله هو قيامه بطرد من حوله لمن أسموا أنفسهم بالمستشارين، فلماذا الخوف من منافسة رجل مجهول المصير؟.. ومطلوب لحكم غيابي في داخل ليبيا ومطلوب لمحكمة الجنايات الدولية وحظوظه في الترشح للانتخابات منعدمة، فلم يجنى حفتر من هذا التصريح سوى خسارته وفقده لجزء من أنصار النظام السابق.
أما مشروع الدستور، فرؤية حفتر أن هذا الشعب المراهق القاصر عن الفهم والتجربة لا يستحق دستورا دائما للبلاد في الوقت الحاضر، ويعتقد أن عام 2023 هي السنة المناسبة لدستور للمراهقين القصر، فهل يتوقع وقتها أن يكون هو رأس سلطة البلاد أو نجله صدام.
فالصحفي الذى أجرى المقابلة لاحظ أن بطانة حفتر المحيطة به هي من أبناء عمومته وأقربائه بالدم فقط، بدءً من حرسه الخاص ومستشاره الإعلامي مرورا بطبيبه الخاص، فالصحفي يقول: “أن حفتر منعزل ولا يخرج من مقر إقامته بالرجمة ويستقبل ضيوفه هناك، وأن خرج يكون عبر الطيران وإلى خارج البلاد”.
لقد استطاع الشعب الليبي الذي حرم حقه في اختيار قادته ولعقود أربعة عبر انقلاب سبتمبر 1969، والذي كان حفتر جزء منه أستطاع وبعد ثورة عظيمة استرجاع حقوقه، وفي أول تجربة ديمقراطية لهذا الشعب العظيم شارك أكثر من 2.6 مليون مسجل بسجل الناخبين، وشارك أكثر من 1.7 مليون ناخب يوم 7 يوليو 2012، وحتى وأن كانت بعض الشخصيات التي أفرزتها هذه الانتخابات دون المستوى، فهذه أخطاء تقع فيها الكثير من الشعوب التي مارست الديمقراطية لعشرات العقود من الزمن، وأن ما يميز النظام الديمقراطي هو أنه يمنح الشعوب التعلم من تجربتها وأخطائها ولا يكررها إطلاقا مرة أخرى، وأن النضج الديمقراطي يأتي فقط عبر الممارسة والتراكم الانتخابي نحن شعب يستحق الاحترام حتى وأن أخطئنا يا خليفة بلقاسم حفتر.
التدوينة يا حفتر.. نحن شعب يستحق الاحترام حتى وأن أخطائنا ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.