عبد القادر الاجطل/ صحفي وكاتب ليبي
دخل رافع إلى السوق وسط المدينة وهو يتحسس جيبه للاطمئنان على ما تبقى من مخصصات عائلته من الدولار لهذا العام والتي كانت وراء زيارته غير المعتادة لسوق الذهب والحرير في مدينته، قلب رافع النظر في شوارع السوق وأزقته الفرعية وتمعن في المحلات التي تصطف على جنبتي الشارع الذي دخله من بدايته، محلات لا يدل مظهرها الخارجي على ما تحتويه من نفائس ومبالغ مالية ضخمة من مختلف العملات.
رافع الذي لم يتعود على لغة السوق ومساومات التجار اختار متجرا من المتاجر التي تقع في بداية السوق ودفع بابه ودخل على صاحبه الجالس وراء طاولته الزجاجية وألقى عليه السلام فرد عليه التاجر وقال له تفضل، رافع نظر إلى الأرفف الزجاجية القليلة في المحل وما عرض عليها من قطع ذهبية صغيرة يبحث عن مدخل للحديث مع صاحب المتجر إلى أن استقرت عيونه على وجه الرجل الحليق الذي ركز بصره على وجهه ينتظر ما يصدر منه، سأل رافع صاحب المتجر قائلا بكم تشترون الدولار اليوم؟
فأجابه التاجر أن السعر اليوم منخفض قليلا، شعر رافع بنوع من الخوف إثر هذه الإجابة الغامضة فلقد عُلقت أمالٌ عريضة على قيمة هذه المخصصات، الشتاء الذي لا يزال في أوله، وغرقت فيه شوارعهم أكثر من مرة بسبب المطر، وتجاوزت المياه الشارع لتدخل عليهم بيتهم من أعلى ومن أسفل، فالسطح لا بد له من صيانة ورش بمادة القطران المذابة لإغلاق الشقوق التي تتسرب منها مياه الأمطار، كما أن مدخل البيت لا بد له من رفع عن مستواه الحالي من أجل منع دخول مياه الأمطار المتجمعة في الشارع عليهم، كما أن شبكة الصرف الصحي للبيت التي خرجت عليهم مياهه لا بد لها من صيانة.
كل دينار سيتحصل عليه مقابل مخصصات عائلته، كان سينفق في ترميم جانب من جوانب حياتهم التي أصابها ما أصاب حياة أغلب الناس من العناء والتعب والنصب.
سأل رافع التاجر عن سبب هذا الانخفاض، وبادره التاجر بقوله، نهاية السنة المالية، ولكن رافع لم يعرف ما العلاقة بين الأمرين، استطرد التاجر قائلا في نهاية السنة المالية وعندما تغلق المصارف حساباتها يُضطر المضاربون بأموال المصارف بطرق غير قانونية عبر حسابات ليس فيها رصيد، يضطرون إلى إرجاع الأموال لمن منحها لهم ليغطي به عجزه فيقبلون على بيع ما لديهم من دولار وشراء الدينار الليبي ليودعوه في حساباتهم الخاوية حتى يستمر شركاؤهم من موظفي المصارف في تمويلهم خلال السنوات القادمة، هذا التكالب على بيع الدولار يزيد العرض فينقص سعر الصرف.
نعم أجاب رافع متحسراً، وواصل التاجر حديثه عندما وجد أن الزبون يصغي إليه بانتباه، كما أن ما صرفه المصرف المركزي من مخصصات من الدولار للعائلات قد زاد بشكل ما المعروض وساهم بشكل أقل في خفض سعر الصرف، أضف إلى ذلك الأخبار المتداولة … وقطع حديث التاجر دخول شخص آخر إلى المتجر، سحب كرسيا وجلس بجواره، واستمع إلى آخر الكلام الذي قاله عن أسباب انخفاض سعر الدولار نهاية العام، فشارك في الحديث مباشرة بقوله إن ما ينتشر من أخبار عن مساع لتغيير سعر الصرف الرسمي للدولار، وزيادة مخصصات العائلات من الدولار خلال 2018 وزيادة إنتاج النفط وأسعاره، إضافة إلى انخفاض سعر صرف الدولار عالميا، كل ذلك له تأثير على السوق، وقد انتشر الترقب في السوق بانتظار منتصف يناير من عام 2018 فإذا استأنفت المصارف صرف المخصصات فسينخفض سعر صرف الدولار أكثر، أما إذا لم يتحقق شيء من كل ما سلف وحدثت أحداث جديدة تعرقل المسار السياسي، لا قدر الله، وتحول دون إجراء الانتخابات فقد نسير نحو مزيد من ارتفاع سعر الصرف.
رافع لم يفهم كثيرا مما تحدث عنه التجار إلا أنه عرف أن مبلغ الألف دولار الذي تبقى معه بعد رحلة استخراجه من بطاقة الفيزا التي كلفته الكثير لن يتجاوز المقابل الذي سوف يتحصل عليه من بيعه الثمانية ألاف وخمسمئة دينار ليبي بحسب ما أخبره التجار.
التجار نصحوا رافع ببيع ما لديه لأن سعر صرف الدولار قد يواصل الهبوط، فباعهم ما لديه وعاد إلى بيته محملا بالخضروات والفواكه واللحم الذي غاب عن بيتهم منذ مدة طويلة، وبات رافع وأهله ينتظرون طلوع الصبح ليبدءوا في قضاء حوائجهم وصيانة بيتهم في انتظار الدولار الذي سوف يخصص لهم بسعر الصرف الرسمي في 2018.
التدوينة الدولار المنتظر ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.