طرابلس اليوم

الأربعاء، 24 يناير 2018

عودة الدينار  

,

عبد القادر الاجطل/ صحفي وكاتب ليبي

الدينار ذلك الأزرق الذي يجمعه الناس ويعملون لكسب وده والفوز بقربه طوال النهار، فإذا عسعس الليل عادوا إلى بيوتهم وفي جيوبهم ما جنوه من الدنانير بكد يمينهم وعرق جبينهم.

يقترض الواحد منا إذا ألجأته الحاجة إلى الاقتراض بالدينار ويقضي دينه عندما يحين الأجل بالدينار، يكافئ الرجل ولده الذي حقق النجاح في جانب من جوانب حياته فيمنحه دينارا أو بضعة دنانير، وتزور المرأة جارتها أو تهنئ قريبتها فتهديها دينارا عندما كنا صغارا وتهديها عشرات الدنانير في وقتنا الحالي، في انتظار ردها أو رد أكثر منها في أقرب مناسبة.

إذا أردت شراء سيارة فما فوقها فعليك أن تدفع ثمنها ألاف الدنانير، وتشتري الرغيف ولتر الحليب بدينار أو أكثر من دينار.

لم يكن الدينار هو عملة بلادنا التي صكت أولًا ولكن سبقه الجنيه منذ العام الأول للاستقلال والذي كان يعادل الجنيه الاسترليني بل إنه تفوق عليه قريبا من نهاية العهد الملكي عندما خفضت السلطات البريطانية قيمة عملتها عام 1967 ميلادي، ثم أعيد ربط الجنيه الليبي بالدولار بدلا عن الجنيه الاسترليني في وقت لاحق.

ميلاد الجنيه

ولد الجنيه الليبي سلف الدينار بطل قصتنا في 24 مارس 1952 ميلادي وتجاوزت قيمة العملة المتداولة وقتئذ السبعة مليون جنيه وقاربت القيمة المتداولة منه بعد ثلاثة أعوام من صكها العشرة مليون جنيه ليبي.

عقب اكتشاف النفط زادت قيمة العملة المتداولة حتى بلغت نحو خمسة عشر مليون جنيه عام 1962 وشارفت على الأربعين مليون جنيه عام 1966 ميلادي.

الدينار  يحل محل الجنيه

بعد عشرين سنة من التطور المطرد اُستبدل الجنيه بالعملة الجديدة التي أصدرها مصرف ليبيا المركزي وأطلق عليها اسم الدينار، وزادت كمية النقود المتداولة بعد ثلاثة أعوام من تغيير اسم ورسم العملة لتتجاوز الثلاثمئة وخمسين مليون دينار عام 1975 ميلادي.

تضاعفت كمية العملة المتداولة قريبا من عشر مرات خلال ثلاثين سنة لتبلغ عام 2005 ميلادي نحو ثلاثة مليار ونصف المليار دينار ليبي.

تخزين الدينار

القطاع المالي وفي لبه القطاع المصرفي يعد من أهم القطاعات الاقتصادية وأكثرها حساسية،  ولقد اكتسب النظام المصرفي في ليبيا ثقة الجمهور شيئا فشيئا خلال ستين سنة من العمل ومعايشة كل التغيرات التي حدثت في البلد فاختاره غالبية الناس العاديين والتجار والهيئات الاعتبارية خزانة حصينة لأموالهم.

هذه الثقة التي اُكتسبت في عقود تراجعت في بضع سنوات ما جعل كمية العملة خارج المصارف تزيد بشكل تصاعدي، ومع الأخذ في الاعتبار زيادة كمية العملة المصكوكة فقد زادت كمية الأموال خارج المصارف من أكثر من أربعة مليار ونصف المليار  بقليل خلال عام 2007 ميلادي، إلى خمسة مليار وستمئة مليون دينار عام 2008 ميلادي، في الوقت الذي قاربت فيه السبعة مليار دينار بعد ذلك بعام واحد فقط،  ثم بلغت قيمة الأموال التي يتم تداولها ولا تعود إلى خزائن المصارف خلال عام 2010 ميلادي سبعة مليار دينار وستمئة مليون دينار، وهو ما مثل نسبة زيادة سنوية متقاربة.

تغير  كبير   

شهدت كمية النقود خارج المصارف زيادة نوعية خلال عام 2011 ميلادي بحسب الإحصائيات المنشورة على موقع مصرف ليبيا المركزي حيث تجاوزت الأربعة عشر مليار دينار وثمانمئة مليون دينار، وهو ما مثل خروجا كبيرا عن نمط الزيادة السنوية التي أوردنا بعضا منها في مقالنا هذا.

العامين التاليين لما يشهدا زيادة في كمية النقود خارج المصارف التي نتحدث عنها الآن بل على العكس من ذلك فقد تراجعت القيمة بما يقارب المليار والنصف ليسجل عام 2012 ميلادي مبلغ 13.391مليار دينار، وعام 2013  مبلغ 13.419 مليار دينار فقط.

زيادة جديدة

شهد عام 2014 ميلادي بما حواه من أحداث ومستجدات صعودا في كمية الأموال خارج المصارف ما يمثل تناقصا في الثقة بالنظام المصرفي، فتجاوزت القيمة السبعة عشر مليار دينار، وفتحت هذه الزيادة الباب لزيادات أكبر خلال الأعوام التالية، فسُجلت زيادة أخرى أكبر عام 2015 ميلادي حيث تجاوزت الكمية ثلاثة وعشرين مليار دينار، وتجاوزت خلال عام 2016 ميلادي السبعة والعشرين مليارا.

الزيادة الأكبر سُجلت نهاية شهر سبتمبر من عام 2017 حيث قاربت كمية العملة خارج المصارف التسعة والعشرين مليار  والثمانمئة مليون دينار، وهو مؤشر على انخفاض كبير في ثقة الناس في النظام المصرفي الذي يعد أحد أركان النظام الاقتصادي للبلد.

أين ذهب الدينار

غادر الدينار خزائن المصارف وتوزع بين الحدود الشرقية والغربية في خزائن تجار العملة المصريين والتونسيين وفي خزائن التجار في المدن الليبية الكبرى وفي بيوت الليبيين الذين أعيتهم الحيل في تحصيل ما ينفقونه في ظل شح السيولة الذي يدفعون وحدهم ضريبته في حين يكدس الأثرياء الدينار بالملايين في خزائنهم الحديدية ويمنعونه من العودة إلى المصارف ومنها إلى جيوب عموم الليبيين الذين وضعوه ضمن قائمة انتظاراتهم الكثيرة.

بدايات العام الجاري كانت مفعمة بالأمل ولا تزال بواعث الأمل تناضل بقايا الألم مع مطلع فجر كل يوم ومع كل بزوغ شمس ننتظر عودة الدينار إلى الأسواق والمصارف وفراره من أيدي المحتكرين هداهم الله.

 

التدوينة عودة الدينار   ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “عودة الدينار  ”

إرسال تعليق