عبد الرحمن المنتصر/ كاتب ليبي
في عالم القلوب تتوارى شمس العقل سريعا ، وتحكم المشاعر و لا يبدو ذلك منطقيا في أول وهلة ؛ لكنه واقع نمر به غالبا في حياتنا عندما نشاهد دمعة متأملة تغرق في مساحة العين البيضاوية متشكلة ببريق يعكس حجم الانكسار وعمق الوجع متجهة لميولها تحاول عابثة رموش العين إيقاف الهطول ، برغم تعمد الخد إطالة الطريق فتنزل ببطئ يناسب الحزن ، ومن ثم سريعا يهطل الأسى ومن يكترث ؟ ، اليوم لا جدوى ، فإن العقل عاجز أمام تفعيل القلب لطاقته التأثيرية الكامنة ، فيأتي الحكم ذاتيا مستندا لقواعد لا تقاس ، ولا تمثل إلا نفسها كعاطفة جياشة في تقديري ، هكذا حاول الأستاذ محمد أن يكون طبيبا في الوقت الذي هو معلم فيه لا أكثر، تمادى الحب الذي في قلب العاشقة ، وبينما يغفل الأستاذ سامي تصل سلمى لدرجة المرض ، وهو لا يدري وإن كان يدري فهو لا يكترث أصلا .
بعد الحرب التي كان صهيب ضحيتها ، وكان التخبط في وزارة التعليم وضعف التكوين وتضخم حجم الإشكالات داخلها ، يبدوا صعبا سوق حلول لكمّ المشاكل التي تسقط على كاهل المعلمين في المدارس وسط غياب شبه كامل لدور التحفيظ ، والتي هي الأخرى هدمت صوامعها بعد الثورة للخلاف الديني الحاد بين الجماعات المتدينة على طريقتها هذا بدوره يسهم في رفع نسبة الإشكال في واقع المعلمين .
إذا لا عامل روحي ، ولا غيره يسهم في حل الإشكال ، فتمضي الأيام في غير مهم يذكر، حتى يقترب موعد الاختبار النهائي ، وتأتي العاشقتان على طريقتهما بطلب يبدوا خاليا من لواحقه التعبيرية ، تطلبان مساعدة من الأستاذ محمد لا من غيره في مادة النحو وتلك لحظة مهمة لمحمد ؛ لأنه ولأول مرة يتعرف على نهى وجها لوجه ومباشرة.
شرح الأستاذ المطلوب داخل الإدارة للطالبتين ، وقد كان الأستاذ خالد مدير المدرسة حاضرا و قال معلقا لا يبدوا أنهما هنا من أجل الدرس ، قلت له ربما كلامك يكون واقعا أستاذي ؛ لكن و هل علق الموجه على جهود معلمتهم المكلفة بفصلهم؟ قال : نعم وهو يقول أنها جيدة عنده قلت : إذاً ما ظننته كان صحيحا .
بعد هذا الشرح الموجز في فترة الاستراحة للدرس تواصلت نهى للمرة الأولى مباشرة ـ مع أستاذها ـ عن طريق الشبكة وحصل بينهم تعارف في حده لا أكثر؛ لكن اهتمامها فيما بعد بدا ملحوظا وفي غياب الحرص والاتزان الروحي والفراغ العاطفي من جانب محمد تبادل معها الاهتمام ، وبدورها في حفل مفتوح أرسل لها دعوة حضور لبتها بسرور وراقبت باهتمام مشاركاته وإطلالته هناك ، فلم يفتها شيء أبدا وكيف لا ؟ كان الحفل قبل انتهاء النتيجة ، و التي ستكون نقطة تحول لها من المدرسة إلى الجامعة رافقت سلمى نهى للحفل وكانتا ترتديان زيًّا مختلفا كانت نهى تبدوا على أجمل صورة أحبت أن تكونها هي الآن تفعل ما تريد لأن المكان يسمح لها أن تكون كما أرادت لا كما أرادوا لها في المدرسة .
انتبه الأستاذ سامي لزيارتها وأرسل رسالة من مكانه على مقاعد الحضور البنفسجية إلى المسرح ، مسرح المدان و كان شاسعا يحمل عدد كبيرا من المتفرجين إضاءته جيِّدة بما يكفي ليكون الواقف عليها واضحا والصوت سيكون قويا وكافيا ، حتما صمم لذكرى ستبقى جميلة وهو مقسم على ثلاثة جوانب كلها مقابلة للمسرح الممتد على شكل مستطيل ، نص الرسالة التي أرسلها سامي ” انظر من يحضر ضمن الجمهور” أومأ محمد أنه وغمز بعينه ـ وصلت ـ
وكان الأستاذ خالد مدير المدرسة ضمن من حضروا وعدد من المحبين، هذا اللقاء المسرحي المؤجل عامين تقريبا ذاته من شكل رابط الإعجاب بينهما وبدأت المراسلات تأخذ شكل العلاقة الحميمة ، ربما ولتخلص الأستاذ من أدبيات المدرس والطالب كما نظن تعامل معها بثوب الجامعة وما ناسب واقعها الجديد.
وما كان مفزعاً في الوقت ذاته أن ميل محمد لسلمى كان أكبر ؛ إلا أنه لم يتجرأ أن يقول هذا ، فقد يبدو مخيفا إلى حد لا نتصوره ولا يعلم أحد ما قد يكون ولا ما قد يصير بعد كمِّ الملاطفة الحاصل بينه ونهى هل سيكتم الأستاذ محمد حقيقة إعجابه بسلمى أم أن وراء الأكمة ما ورائها ؟
التدوينة فــي مسرح الميدان ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.