إسماعيل القريتلي/ صحفي وكاتب ليبي
(((1)))
تجلس في وسط العائلة، في المقهى، تتصفح الفيس، تحضر صلاة الجمعة، تجري اتصالا أو اثنين، تفتح حديثا عن ليبيا، غالبا ما نتطرق فيه إلى شخصيتنا الليبية، والتحولات التي حدثت فيها، فنؤكد أننا تغيرنا، الحياء انخفض معدله، الجريمة في ارتفاع، الليبيون لم يعودوا كما كانوا في الماضي. وهكذا تثور بيننا تساؤلات، وترتسم علامات الدهشة والاستغراب على ما آلت إليه أحوالنا، وما وصلت إليه أخلاقنا!!
(((2)))
لكن لماذا نحن اليوم كما نرى ونستمع ونتحدث عن أنفسنا؟ هل نحن شياطين؟ سنتفق من جديد أننا بشر، لكننا تغيرنا!! نعم تغيرنا هذا مؤكد، لكن لماذا تغيرنا للأسوأ في حكمنا على أنفسنا، حتى رجال الدين، المدرسون، المثقفون والأدباء، الزعماء السياسيون والاجتماعيون كلهم أصبحوا يشبهوننا عامة الناس، كلهم سيئون (إلا من رحم ربي)!!
(((3)))
حسنا، لننظر الآن إلى مؤسسات النظام الاجتماعي (Social Order) في ليبيا التي شكلت كل أجيالنا الماضية والحاضرة وستشكل بقية الأجيال، وتلك المؤسسات سواء التقليدية مثل:
1- الأسرة
2- القبيلة
3- الدينية
أو المؤسسات المستحدثة مثل:
1- الحكومة
2- التعليم
3- وسائل الاتصال الجماهيري
4- المجموعات الخاصة مثل الرياضية ومنظمات العمل والمنتديات والأحزاب وغيرها
هذه المؤسسات تتفاعل فيما بينها فينتج عنها أفكار ومعارف ومعتقدات، وعادات وتقاليد، تتمظهر بعد ذلك في خطابات وسلوك يصدر عنا نحن الأفراد في ليبيا، ونتظافر عليها في مجموعاتنا الاجتماعية سواء الرئيسيّة مثل الأسرة والقبيلة، أو الثانوية مثل منظمات العمل والنوادي الرياضية.
(((4)))
الآن، لنتجول قليلا في تلك المؤسسات التي تشكل النظام الاجتماعي في ليبيا، ونتفحص أفكارها وخطابها وسلوكها، فنسأل عن الأسرة ماذا تقدم لأبنائها، بل لنسأل عن علاقة الأبوين ببعضهما، علاقة الوالدين مع الأرحام وشركائهم الورثة، وهكذا نطرح كثيرا من الأسئلة ونبحث عن إجابة لدى الأب والأم والأخ والأخت والأعمام والأخوال والأجداد. ثم نوسع التجوال ونذهب للقبيلة ونطرح أسئلة أكثر وأكثر.
والأمر ذاته نكرره في المسجد والجامع والمدرسة والجامعة والنادي الرياضي والمقهى وبيئات العمل، ونحلل الخطاب الإعلامي والثقافي وكل ما تنتجه وسائل الاتصال الجماهيري.
ثم نعرج على الحكومة والشخصيات العامة لنتعرف على خطاباتهم، وبماذا وإلى ماذا يوجهوننا نحن العوام من الشعب الليبي، وكيف يتصرفون تجاه مسؤولياتهم العمومية.
مجموع الإجابات التي نجمعها تشكل إجابة قاطعة عن سؤالنا الأزلي لماذا تغيرنا للأسوأ نحن معاشر الليبيين!!
(((5)))
لكن يبقى تساؤل مشروع ومهم، لماذا تغيرت تلك المؤسسات، طبعا تغيرت للأسوأ، وأصبحت معامل ومصانع تفرخ أجيالا “مضروبة” انتهت إلى ما نحن فيه من وضع كارثي على كل الأصعدة؛ أخلاقيا، اجتماعيا، ثقافيا، سياسيا، اقتصاديا.
أفضع مخرجات نظامنا الاجتماعي الحرب الدائرة بيننا منذ فبراير 2011، التي بررتها كل مؤسسات ذلك النظام، الأسرة والقبيلة والمؤسسات الدينية والتعليمية ووسائل الاتصال الجماهيري وغيرها.
وهذا السؤال جوهري وبنيوي وأساسي، لابد أن نبحث عميقا، عميقا جدا في ركام الموروثات، وتسلسل الأحداث منذ الإعلان عن تأسس ليبيا في الأمم المتحدة سنة 1951، نبحث عن بدايات الانحراف في خطابات كل المؤسسات والمجموعات المكونة للنظام الاجتماعي، ثم ندرس المؤثرات والضغوطات المحلية والخارجية التي غيرت معتقدات وأفكار تلك المؤسسات مثل تغير أنماط العيش بعد اكتشاف النفط وارتفاع أسعاره واتساع حجم المدن.
ثم الصراع على السلطة، وأثر الأفكار التي جلبها الاستعمار وحقبة الاستقلال، وفترة عدم الاستقرار الحكومي، ثم الانقلاب والمحاولات الانقلابية على الانقلاب، وانتشار التلفزيون واتساعه امتلاك الليبيين لأدوات التواصل مع العالم الخارجي، عشرات الآلاف من الدارسين في الخارج دون أي خطة مرتبطة بالنظام الاجتماعي ومؤسسات التنشئة الاجتماعية.
وهكذا نتتبع منهجيا وعلميا خطوط التغيير التي طرأت، ثم استقرت على نظامنا الاجتماعي غير المحصن ضد التحولات الثقافية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية من حولنا.
نتائج تلك البحوث والدراسات الاستقصائية تجيب حتما عن سؤال لماذا أصبحنا نحن الليبيون سيئين لحد أننا نقتل بعضنا البعض، ثم نتباهى بذلك ونبرره. أما الأهم، فتلك الدراسات تنتج وعيا جديدا وتؤثر في رسم إطار المعالجة الشامل، وتضع خطط إعادة إعمار نظامنا الاجتماعي المنهار.
المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك
التدوينة الليبيون.. لماذا نحن سيئون؟! ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.