عبد الفتاح الشلوي/ عضو المؤتمر الوطني العام السابق
ضاق كل الليبيين تقريبا بحالة التخبط الأمني التي واكبت ثورة السابع عشر من فبراير، ثمة مُقنعات للبعض ومبررات للقلة منها، انهيار المنظومة الأمنية السابقة لسلطة سبتمبر، وحالة الخوف التي طالت منتسبيها، انقطع الخيط اللحموي الذي كان يجمع تلك الأجهزة عقب قيام ثورة فبراير، هناك من يعزوه لارتباطه بأمن رأس النظام، وآخر يرجعه لتدخل قوى خارجية لها أجندتها في ليبيا، وثالث يرجعه لرغبة كامنين متعددين لإفشال هذه الثورة، وإرجاع الأمور لما كانت عليه.
كل تلك التصورات يمكن أن تُطرح للنقاش، ولنا أن نقبل بها أو أن نرفضها، لكن المشترك بيننا أن تردي الحالة الأمنية ببلادنا نتج عنها أثار سلبية طالت حياة المواطن، وخلقت فيه حالة من الفزع والترقب، خاصة في بعض المناطق المتوترة، والتي يكون الكفن فيها هوية الليبي، والتابوت سكن له.
مخزوننا الشبابي يُستنزف، ومستشفياتنا تعج بضحايا لا ذنب لهم ولا جريرة، حالة السأم من لغة البارود باتت أعلى صوتًا، لم يعد المنطق يقبل لغة التفاوض بالبندقية، كل ظرف فارغ يخفي مأساة لا يعلم بها إلا أهلها، الجدران تحمل بشاعة لغة فوضى التخاطب، مللنا هذا، وكرهنا ذاك.
تاريخ البشرية يعلمنا أن التدافع سنة بين البشر، لكنه ينبئنا أيضا أن بعد الخصام تواد، وبعد النزاغ تفاوض ثم تفاهم، لماذا البعض منا يأبى الرضوخ لهذا المفهوم؟ لماذا الاصرار على نطح الجبل بالقادوم الإسفنجي؟
الحربان الكونيتان بدأتا بأبجدية الظرف الفارغ، وانتهتا بلغة الحوار، وكل صور النزاع كانت كذلك، وحتى النزاعات المُعلقة مصيرها لذات النتيجة.
لسنا استثناءً من العالم، أبدًا ما كنا ولن نكون، رغم رواج الظرف الفارغ، وعلو صوته، وتحاكم البعض له، فلا ولن يكون سيد الموقف مهما ساد بيننا من خلاف كليبيين يجمعنا دين واحد، ووطن واحد، صحيح أن رقعتنا الجغرافية بمساحة قارة قد جعلت حالة تناثرنا واضحة على هذه الأرض التي دفع لأجلها الأجداد ثمنًا باهظا، وسطروا ملاحم يتغنى بها أحفاد يتخاطبون بلغة الدمار والموت.
مهما طال الصراع بين أبناء بلدنا فلا غالب ولا مغلوب، بل الكل خاسر، الوطن يخسر رجاله ومقدراته، ويفقد الوقت وتضيع علينا فرص البناء والتنمية، لا خلاف حول هذا، ورغم اتفاق جُل الأطراف على سلبية نتائجه، إلا أن روح الإذكاء والتسعير تبدو بين الحين والآخر.
ماذا نخسر لو جلسنا لطاولة التحاور، والأنفس على استعداد للتنازل لأجل البلاد والعباد، لنتجاوز هذه المرحلة الشاحبة من تاريخ بلادنا، نعم الوضع شائك، والمشكل متداخل، لكن الحل يتمثل في فك رموز الخلاف بين كل الليبيين، والتي تتعدى قناعتنا أن الوطن يتسع للجميع، وأن خيرات ليبيا ومواردها رهن ببسط حالة السلام، وشيوع أجواء الأمن والأمان بين جميع الأطراف، ولم يحدث أن كان ملح البارود له طعم بتاريخ الشعوب سوى الهلاك والدمار.
التدوينة أبجدية الظرف الفارغ ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.