طرابلس اليوم

الجمعة، 17 أغسطس 2018

الانتخابات بمقاصدها

,

علي أبوزيد/ كاتب ليبي

 

إصرار الأطراف المعرقلة لإقرار مشروع الاستفتاء على مشروع الدستور على إجراء الانتخابات في نهاية العام يثير الاستغراب، فلا أعتقد أنّ الشغف بالديمقراطية والحرص على أن يقول الشعب كلمته هو دافعهم، إذ لو كان هذا هو الدافع لكن أولى بهم تمكين الشعب من أن يقول كلمته بخصوص مشروع الدستور الذي انتخب هيئة صياغته وإعداده، ومن حقه أن يقول رأيه في المشروع الذي قدمته هذه الهيئة.

 

يقول الرافضون للاستفتاء على مشروع الدستور أن التعجيل بالانتخابات من شأنه أن ينهي فوضى الأجسام المتكدسة في مراكز السلطة بشكل منقسم أدى إلى شلل شبه تام في كيان الدولة، وهذا بلا شكّ أمر وجيه ومقبول، ولكن هناك إشكاليات يتجاهلها هؤلاء المصرّون على التوجه للانتخابات مباشرةً، وهي قضية الإطار الدستوري لهذه الانتخابات، هذا الإطار الذي من شأنه أن يرسم ملامح المرحلة التي تلي الانتخابات ويمثّلَ فيها المرجعية التي يُحتكم إليها عند النزاع.

 

وهنا يجب التكلم بواقعية حول مسألة الإطار الدستوري للانتخابات في حال تجاوز مشروع الدستور وعدم إقراره، فإنّ لدينا إشكالية كبيرة في هذا المسألة، وهي آلية التوافق حول إطار دستوري لهذه الانتخابات، فبينما يرى المؤيدون للاتفاق السياسي أن الاتفاق على الإطار الدستوري يجب أن يتم من خلال مخرجات حوار بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة –بحسب الاتفاق السياسي-، يصرّ تيار العرقلة وعلى رأسه قيادة عملية الكرامة على أن وضع الإطار الدستوري حق حصري لمجلس النوّاب –الشرعي المنتخب بحسبهم والمنتهية ولايته بحسب الإعلان الدستوري وتعديلاته-.

 

وأعتقد أنّ هذا الإشكال القائم على المغالبة وتنازع الشرعية لن ينتهي مبكراً وبسهولة، بل سيستهلك المزيد من الوقت مما سيكرّس حالة الانقسام والفوضى ويزيد من تآكل موارد الدولة واحتياطاتها في ظل الانفلات الأمني والعجز الذي تعانيه مؤسساتها.

 

إذاً فالاستفتاء على مشروع الدستور وإقراره هو السبيل الوحيد لإنهاء حالة الفوضى، خاصةً وأنه نتاج هيئة منتخبة بشكل مباشر من الشعب ولا أحد يشكك في دستوريتها، كما أنّ وجودها أسبق من وجود مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة مما يعطي مشروعها مزيد من المصداقية والحياد، أيضاً بإقرار مشروع الدستور تصبح المرجعية في أي نزاع دستوري واضحة وراسخة لأن الدستور سيكون قد تمّ إقراره نتيجة الاستفتاء الشعبي مما يعطيه شرعية لا خلاف عليها.

 

إن الانتخابات إحدى آليات التداول السلمي على السلطة ولتكون فاعلة ومضمونة النتائج يجب أن تتم من خلال مرجعية دستورية واضحة ومتفق عليها وفي ظل بيئة مستقرّة وخالية من أي تنازع أو انقسام في مؤسسات الدولة؛ لذلك فإنّ إجراء انتخابات في حالة من عدم التوافق على مرجعية دستورية لن ينتج إلا عملية سياسية مشابهة تماماً لما كان قبل الانتخابات من مغالبة وتصارع على السلطة تحت ستار تنازع الشرعية، وإن أي طرف سياسي له رغبة صادقة في إنهاء الأزمة التي يعيشها الوطن ويعاني مراراتها ويكابد عذاباتها يجب عليه أن يدفع باتجاه الاستفتاء على مشروع الدستور وإقراره، أما الدفع باتجاه الانتخابات مع استمرار التنازع والصراع حول المرجعية الدستورية فلا يعدو كونه محاولة عابثة لاستخدام الانتخابات وسيلةً لإقصاء الخصوم السياسيين واحتكار السلطة من خلال مرحلة انتقالية جديدة يعتقدون أنهم قادرون على الفوز بانتخاباتها، وهذا ما يفسّر لهجة التجاهل للأطراف السياسية في أي حل سياسي والإصرار على جعل أي إطار  دستوري للانتخابات حقّاً حصرياً لمجلس النواب -العاجز ومنتهك الجلسات والمختطف من رئاسته- بحيث يضمن لهم الفوز بهذه الانتخابات.

 

بقي أن أذكر بأنّ عقلية استئثار فرد أو تيار بالسلطة وشيطنته للآخر واللعب على وتر الإرهاب تارةً وعلى وتر القبيلة تارةً أخرى وتوظيف كل ما هو متاح لن يكون يضع حداً للصراع، وإنّ أي صراع بين شركاء الوطن أُنهي بالمغالبة والاستبداد هو جرح التأم على فساد، ولن يلبث هذا الجرح أن يُنكأ مرة أخرى وقد بلغ صديده وقروحه عظام والوطن ونخاعه مما يجعل علاجه أعسر من ذي قبل، ولنا في عقود الاستبداد الأربعة معتبر.

التدوينة الانتخابات بمقاصدها ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “الانتخابات بمقاصدها”

إرسال تعليق