محمد تنتوش/ كاتب ليبي
يبدو أننا سنعاني كثيرا قبل الوصول إلى انتخابات أخرى في هذا البلد الذي تنهشه الحرب الاهلية منذ 2011 و بلغت ذروتها في 2014 فآخر انتخابات شارك فيه الليبيون كانت انتخابات مجالس البلدية بمشاركة ضعيفة ، وقبل ذلك كانت هناك انتخابات مجلس النواب واللجنة التأسيسية لصياغة الدستور اللتان بدا واضحا في انتخاباتهما ان نسبة المشاركين قد قلّت بشكل كبير عن ما كان الوضع عليه في اقصى مراحل التفاؤل سنة 2012 اثناء انتخابات المؤتمر الوطني .
لم تكن نتائج الانتخابات المركزية الاخيرة بالشكل المنتظر من الليبيين ، بل ولا خجل في القول أن أغلب من فازوا سواء في انتخابات مجلس النواب و لجنة الستين وقبلها المؤتمر الوطني قد خسروا ثقة الليبيين ؛ فالحرص على الحكم و تأجيج الصراع و الفشل في تقديم صورة جيدة من العمل النيابي و التشريعي بالشكل المطلوب كلها كانت سمات بارزة لأعضاء هذه الأجسام حتى أن بعضها لا يزال يقاوم لأكثر من 4 سنوات بعد انتهاء ولايته من أجل الاستمرار في صورة الحكم والمشهد الليبي . لقد أصبحت طبقة من الليبيين في طور الردة عن الحرية والديمقراطية نتيجة المشهد السياسي الحالي وما تبع الثورة من حروب مناطقية واهلية وهو ما يجعل الكثيرين منهم في وجهة نظري غير مهتمين بأي انتخابات اخرى بناء على دوافع داخلية تتعلق بالإيمان بالديمقراطية او البناء المؤسسي للدولة ، لكن المشاركة في أي انتخابات قادمة ستكون بكل تأكيد نتيجة لدوافع أخرى على رأسها تغيير الأشخاص الموجودين حاليا على رأس هرم السلطة التشريعية والتنفيذية في البلاد .
كيف ستكون نتيجة الانتخابات المقبلة :
هناك عدة مدخلات رئيسية ستلعب دورا رئيسيا في شكل مخرجات أي انتخابات مقبلة سواء فيما يتعلق بالانتخابات التشريعية او الانتخابات الرئاسية في حالة تم الاتفاق بطريقة ما على النظام الرئاسي او شبه الرئاسي ؛ أهم هذه المدخلات هو اختفاء الظاهرة الحزبية عن الساحة السياسية للبلاد اذ كان واضحا ان مؤسسي هذه الاحزاب واعضائها لم تتجاوز رؤيتهم لفائدة الحزب وطريقة عمله الا فيما يتعلق بالوصول إلى السلطة دون ادراك الدور المدني و الرقابي الذي كان من الممكن ان تقوم به هذه الاحزاب لذلك لم نعد نسمع في وسائل الاعلام بعد انتخابات المؤتمر الوطني سوى بأحزاب تحالف القوى الوطنية والعدالة والبناء و الجبهة الوطنية بالإضافة إلى بعض الاحزاب الصغيرة التي كان لها عدد بسيط جدا من الممثلين داخل المؤتمر لا يتجاوز العضوية في اعلى تقدير . اتضح فيما بعد ان الاحزاب الاخرى التي كان يتجاوز عددها ال60 حزبا لم تكن سوى أحزاب حقائق واختام في يد مؤسسيها بالتالي لم يكن لهم أي دور يذكر بعد خسارتهم في الانتخابات ، لكن هذه الحالة لم تتوقف هناك اذ لحقت بها مجموعة أخرى من الأحزاب بعد أزمة 2014 و الجدل القانوني و العسكري حول استمرار المؤتمر الوطني من عدمه وتحوله فيما بعد نتيجة اتفاق الصخيرات إلى مسمى المجلس الاعلى للدولة ، لكن قبل ذلك تجدر الاشارة إلى ان قانون انتخابات مجلس النواب تسبب ايضا في غياب أي عمل حزبي اذ نص القانون على عدم منح أي مقاعد للاحزاب ظنا بأن النتائج وطريقة العمل ستكون افضل مما كان عليه الوضع في انتخابات المؤتمر الوطني ، لكن القبلية والجهوية والمصالح لعبت دورها في نتائج الانتخابات لتكون النتائج اكثر سوءً .
المدخلات الأخرى التي ستؤثر في الانتخابات المقبلة هي الحرب الاهلية التي انطلقت سنة 2014 و اصطف فيه اغلب الشعب الليبي ولو في قرارة نفسه إلى احد اطراف الصراع ، وهذه الحرب والاصطفافات الناتجة عنها ستكون مؤثرة في شكلين مباشرين اولهما التغير السكاني الذي نتج عن هذه الحرب طبقا للموقف من الطرف المسيطر على المناطق والمدن المختلفة حتى اصبح الطرف الآخر الذي يملك أفكارا وآراء مختلفة غير موجود تقريبا في بعض المدن والمناطق بالتالي فان نتائج الانتخابات من المرجح ان تكون في اتجاه واحد في هذه المدن ؛ المؤثر الآخر سيكون متعلقا بالموقف العام من بعض الشخصيات والكيانات وحتى القبائل التي كانت حاضرة في المشهد الليبي منذ 2014 سواء على مستوى المشهد السياسي او العسكري، بالتالي فان كل فرد سيختار من يرى فيهم ابطال هذه الحرب سواء كان دورهم سياسيا او عسكريا او كلاهما معا وسيرفض من يرى فيهم العداوة والبغضاء .
سأكون صريحا أكثر هنا ، اعتقد ان الخريطة السياسية ستتغير بشكل كبير في الانتخابات المقبلة وسنرى احزاب لا زالت تحاول المحافظة على وجودها في طور النسيان وعلى رأسها تحالف القوى الوطنية الذي اعتقد انه سينتهي بشكله الحالي لكنه يملك فرصة للعودة في اطوار اخرى اذا كان يملك المرونة السياسية اللازمة اذ ان الهجمة الاعلامية ضده و دوره لم يكن واضحا في الازمة الليبية ليس لعدم وجود دور له سواء كان سلبيا او ايجابيا لكن نتيجة لكونه عرف منذ البداية بشخص رئيسه “محمود جبريل” _الذي تعمد الغياب عن شاشات الاعلام لفترات طويلة _ لا بشكله الحزبي المنظم او اعضائه في المؤتمر ، اما فيما يتعلق بالعدالة والبناء فاعتقد اننا نعيش اللحظات الاخيرة لهذا الحزب ، فحتى ال17 مقعدا التي تحصل عليها في انتخابات المؤتمر الوطني عن نظام القوائم كانت نتيجة النظام الانتخابي الذي حرص على وجود توازن في نتائج القوائم من خلال اعطاء فرصة لأصحاب الترتيب الثاني من دخول المؤتمر بنسب معينة ، لكن الحزب في ذلك الوقت وفي اكثر مراحله توهجا وتنظيما و في اكثر مراحل عدد اعضائه كثرة لم يحصل على الترتيب الاول في نظام القوائم سوى في 3 دوائر انتخابية فقط ، لكن الوضع سيكون اكثر سوء في أي انتخابات مقبلة حسب وجهة نظري نتيجة خسارته للجزء الاكبر من قياداته واعضائه بالإضافة إلى قاعدته الشعبية والمتعاطفين معه ؛ وحتى نتائج المؤتمر القادم للحزب لن تغير في هذا الامر الكثير خاصة وان بعد الانباء التي تتحدث عن تغييرات جدرية في جماعة الاخوان المسلمين الشريك الرئيس في تأسيس العدالة والبناء والذي فقد امتيازات هذه الشراكة فيما بعد .
على الارجح ان الشباب يملكون فرصة قوية للفوز بعدد مقاعد اكثر في الانتخابات التشريعية المقبلة خاصة في مدن المنطقة الغربية والجنوبية التي غابت عنها النخب السياسية من حيث التأثير الايجابي على الارض و عدم وجود قيادات مناطقية او قبلية قد تلعب دورها في التأثير على نتائج الانتخابات بالشكل الكبير ، في وقت كان فيه لفئة كبيرة من الشباب دور ايجابي منذ ازمة 2014 سواء من خلال تبني خطاب يتجاوز الخلافات والصراع او من خلال الدور المدني وعلى رأسه الجهود الاغاثية للمتضررين من الحرب ، بالتالي فان ما جمعوه ولا يزالون يقومون بجمعه من رصيد سيكون له دور في حضورهم بشكل أكبر على المستوى السياسي اذا ما احسنوا تنظيم انفسهم .
عموما يتجاوز هذا المقال الحديث عن مدى امكانية القيام بانتخابات مقبلة من الاساس لكنه على قدر ما سيمثل مجرد “لغو في الحديث ” او ترف فكري بالنسبة للبضع لكنني حاولت فيه التذكير بأهمية وجود هذه الانتخابات من الاساس بشكل مشابه لضرورة وجود دولة ليبية وبالتالي الحديث عن كيفية الوصول إلى الشكل المؤسسي في القطاعات الحكومية رغم الازمة الحالية .
التدوينة ما الممكن حدوثه في الانتخابات المقبلة ؟؟ ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.