طرابلس اليوم

الاثنين، 23 يوليو 2018

لُحْمَتَنا الرخوية

,

عبد الفتاح الشلوي/ عضو المؤتمر الوطني العام السابق

 الُلحمة الوطنية مسألة مهمة جدًا، للأسف الشديد ننظر إليها ونقيمها بعين مفتوحة وأخرى موصدة، ونتطلع عبرها بهوى ومجاملة تبعد عن واقعها، كما هو بُعدُ المغرب عن المشرق وزيادة.

 

بلادنا مساحتها تعادل مساحة قارة، وتعداد سكانها صغير، رغم أننا ستة ملايين ويزيد قليلًا حسب تموجات إحصاءاتنا، إلا أن ما يجمعنا أقل مما يفرقنا، وما يفرقنا مخزون متجدد .

 

قلت إن مساحتنا شاسعة، وعددنا قليل، ومواردنا متنوعة وكبيرة، والتدبير والتخطيط مُجمد مهترئ، والزيت الأسود يشكل 95% من مدخولنا، نتعارك عليه، ونهربه بجنح الظلام، وساعة الشروق، نُرَكِعُ هذا الزفت لتحقيق مصالح إقتصادية، نؤثث من خلاله، ونلوذ للحصول على إعتمادات لنملأ بها الحاويات بالفضائح، وكل ما يندى له الجبين خجلًا، سُراق “بقراويط” حجاج لم يرجموا مُنظرهم أيام التشريق، رواد التفتيت يصطفون خلف إمام الجمعة، علمانية المصلحة، “ليبرالية” الإستحواذ، تشدد على غير الغير، وتسهيل لأهل الحظوة المنتفخين .

 

فهل انهارت لُحمتنا الإجتماعية؟ أم أنها أكذوبة اكتنفتها صفحات الماضي، هل تُوجعنا الحُمى؟ هل يسهر الجسد بالرمال البيضاء لجسد مُوعك بالتربة الحديدية الحمراء، وهل يتفاعل أصحاب المزارع بالتربة الرملية الغنية لمأسي المتربين بالطين الأسمر ؟ هل وهل وهل ؟ ؟ ؟

 

طبعًا هذه الأسئلة محل إختلاف، وإجاباتها موطئ خلاف، و اجابتي الخاصة قد تكون بين هذه وتلك، وربما يطالها شرود الواقعية، لكن سأفضي بها وإن كانت بالاتجاه المعاكس.

 

لنعرج على مرحلة تأسيس الدولة الليبية، ومن ذا الذي ينكر أو يتجاهل الدور الذي قام به الملك محمد أدريس السنوسي رحمه الله، في لم شتات مجتمعي فقد أراد الملك أن يؤسس دولة على ركام تنازع واحتراب قبلي على موارد الماء، ومساقط المطر، وتواجد الكلأ، وتورم ملف الحرب العالمية الثانية والتي لم نكن نحن الليبيون طرفًا فيها، طالنا “طشاش” بارودها، حاربنا الطليان والألمان وكل جندي انظوى تحت لواء المحور، قَاتَلَنَا ملوك البن، فتدافعنا مع “المُصوع” الأحباش، وذهب الأجداد تحت لواء مقاتلينا “الفاشست” للثأر منهم، فلا الأحباش يحدونا، ولا نحن نحدهم، طبيعتهم ومناخهم ليست كطبيعتنا ولا مناخنا،  ذُهِل الليبيون، فوجدوا من يجر المحراث، ومن يهرول خلف “الرونج” هذا يحرث وذاك يحصد بذات الزمان والمكان .

 

انقضت الحرب، انكسر من انكسر، وكسب من كسب، معاهدات ومحاكمات وتوابع، ودخلنا مرحلة التأسيس، قبائل متخمة بنزاعات منبعها الطبيعة البشرية، قبائل تسعى لتأسيس دولة، والتدافع الإنساني الى أن تقوم الساعة، قيض الله لهم رجالًا ينضخون حبًا لوطنهم، وينكرون الذات، سطروا تاريخًا تأسيسيًا، وهم ينطلقون من تضحيات لا يمكن لعاقل أن يتجاهلها، فكانت دولة ليبيا، من خلال دعوة الملك رحمه الله تعالى ( ساس وطاح على ظله ) الساس أخفى الظل بسلطة الملك السياسية،  امتزج الظل بالساس من خلال مكانة أدريس الدينية والتي كانت تفوق زعامته السياسية، دون أن نتجاهل حكمته وحسن تدبيره خلال تلك المرحلة الشاقة والعسيرة، شعب أنهكه الفقر والمرض والأمية .

 

إن الشقاق والوئام اللذان واكبا مرحلة التأسيس الأولى طمرا كثيرًا من المشاكل، وأخفيا عديد النزاعات التي شغلت القبائل الليبية في ربوع جغرافية ليبيا، وقذفتها باتجاه التاريخ، يدونها بإسهاب يبدد الذهن، وبإيجاز يفسد المعنى، لم يسلم تاريخنا من لوثة التطويع، ومازلنا حتى يومنا هذا نعتمد على روما والآستانة لتحقيق بعض المورود، وللتبين من إختلاف ما ورد على ألسنة الرواة والكتبة “والحكاواتيين، ليس ذلك بالأمر المهم مقارنة مع عنوان مقالتي هذه، وإن كان لا يمكن الفصل بينهما .

 

فعندما نتحدث عن لُحمتنا الوطنية الرخوة فإنني أرد ذلك الزبد المجتمعي المقيت الذي ظهر عقب ثورة السابع عشر من فبراير لتلك المشاكل والنزاعات التي طمرها ساس ملكنا رحمة الله عليه، فقد انتقلت من تحت الساس، وحبست ببعض الصدور، ومنها ما حفظه “ترمس” الزمان، بَهُتَ بعضها، واحتفظ بعضها الأخر بحرارته حتى يومنا هذا، ومازالت حرارته تكفي لقادم السنين، فيما لو سارت الأمور على هذا النسق، ولا أخص هنا ثلاثي جغرافيتنا، أبدًا ما عنيت هذا مطلقًا، ولم نختصها لوحدها، دون أن نتطرق للرخوة المجتمعية بكل ضلع من أضلاع مثلتنا الجغرافي .

 

نزاعات ما بعد فبراير بينت لنا هشاشة لُحمتنا، سواء بين الأقاليم، أو داخل الأقاليم، مازال البعض منا هنا وهناك يجتر نزاعات مابين الحربين، وما كان خلال الحرب ” الفاشية”، والبعض يرجع بنا لعهد ” القرمليين”  فقد ينبذك بنو عمك ويقدحون بأصلك ونسبك عند حدوث نزاعات داخلية عميقة، وقد ينشرون وثائق “آستانية” أو “رومانية” حتى يُسخب منك D N A فتنتقل من خانة ابن القبيلة، لخانة المُكاتب وربما حتى المُعاهد، أو أن تحمل لوحة مؤقت حتى حين، ما يؤسفني أن المخفي ظل رهن عقلاء وحكماء رحلوا ورحلت حكمتهم، وماتوا وبموتهم دب السوس ينخر بساس الملك، ولم يعد الظل يخضع لسطوة الساس.

 

خلافات بين أقاليمنا الإتحادية الثلاث، وخلافات داخل بعض المكونات بذات الأقليم، ولم ينفرد بها إقليم دون سائر الأقاليم.

 

وباعتماد القيادات الشعبية إبان سلطة سبتمبر، والميزات التي كان يتمتع بها المقربون وأصحاب الحظوة، فقد اتسعت الشُقة، ونتج عن ذلك انهيار سقف الطموح، فلم تعد ” الشوخة” محكومة برزانة العقل، وعظيم الحكمة، ونزاهة الفصل، ورد الظالم، وانصاف المظلوم، واستنزاف ما يدس من مدخرات لإنهاء المشاكل وحلها على حساب قوته ويومه، بل إن الصدارة الإجتماعية أضحت متاحة لبعض السماسرة المتحولين، وبعض الإنتهازيين المنفعيين، ففي بعض الحالات يضم المجلس الكهل والشيخ والرجل وحديث مُودع المراهقة، تتناطح أقوالهم، وتتقاطع ترهات هذا مع حكمة ذاك، لقد جعل المال الفاسد من بعض النكرات كائنات تتنفس، وهياكل تُرى، وكذلك السلطة القفزية كان لها ما للمال الفاسد، لقد أفسد أمثال هؤلاء وهؤلاء سلطة مجتمعية توافقية ( رغم بعض المآخذ عليها وعلي بعض مسالك حلولها )

التدوينة لُحْمَتَنا الرخوية ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “لُحْمَتَنا الرخوية”

إرسال تعليق