صلاح الشلوي/ كاتب ومحلل سياسي ليبي
شاهد هلالنا النفطي محاولات القرصنة بين الأطراف غير المخولة شرعيا بوضع اليد على مصادر أرزاق الليبيين جميعا، وكابد فداحة نتائج هوسها ونهبها جهارا نهارا لوضع اليد عليه، لبساطة ومحدودية التفكير الذى لا ترمي قوسه لا بعد من ذؤابة أنوفهم، غافلين عن طبيعة النفط كسلعة اقتصادية دولية مميزة، تدخل كأداة بارزة في توازنات الاقتصاد السياسي الدولي، وكارتيلات وتكتلات الطاقة تقنية وإنتاجا وتوزيعا وبيعا، فظنوا بادئ الرأي أن بيع مثل تلك السلعة في عرض البحر من سفن القراصنة أمر ممكن وميسر على طرف التمام وسط ما يشهده حوض المتوسط الضيق من توتر بسبب العديد من القضايا الأمنية أبرزها التلوث البيئي، والهجرة غير الشرعية، والقرصنة في البحر الأحمر، والتوتر في الدول المطلة مثل إسرائيل وتركيا واليونان وإسبانيا والمغرب، فهذا الحوض مشحون فوق قدرة سعته على تمحل المزيد من التوتر بدخولهم في مياهه الدولية لبيع النفط، بأسباب التوتر والشد، مما لا يطابق ظنهم وتصورهم أنهم يفتحون دكانا رابحا لبيع النفط الخام أو المكرر فيه من “تحت الشمال”.
المقارنة بين البيانات المستمرة للدول الكبرى الأربعة الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، التي أصدرت البيان الأول في مارس 2017، إبان الصراع بين نفس الأطراف الليبية في مضيق الهلال النفطي، ولم يشر بيانها يومئذ إلا إلى قرارين من قرارات مجلس الأمن الدولي (2259)، و(2278) بشأن مسؤولية المؤسسة الوطنية للنفط برئاسة المهندس صنع الله على إنتاج وتسويق النفط تحت إشراف حكومة الوفاق دون سواها من أي جسم موازي فاقد للشرعية، بينما نجد اللهجة التصعيدية الواضحة في بيان الدول نفسها الصادر في 27 يونيو الجاري، بخصوص الأطراف المتصارعة في المنطقة ذاتها، وتعريضها للمنشآت النفطية للتدمير والتخريب، وبالتالي خفض القدرة الإنتاجية الوطنية لأكثر من الثلث تقريبا، بالإضافة إلى الخطوة الأكثر استفزازا و مثار قلق المجتمع الدولي وتمسكه بتبعية إدارة والاشراف عليه حصريا في المؤسسة الوطنية للنفط ، وعدم السماح لأي جسم موازي فاقد للأهلية أن يحشر أنفه في شؤون النفط ، ومحاولة العبث بمصدر أرزاق الليبيين، فبينما ركز بيان مارس 2017 على ذكر القرارات الخاصة بتثبيت شرعية تبعية المؤسسات النفطية للمؤسسة الوطنية للنفط ، جاء بيان يونيو 2018 مركزا على جانب العقوبات على المؤسسات والشخصيات المعرقلة للاتفاق السياسي ومخرجاته في القرارين (2259)، و(2278) ، بالإضافة للقرار (2362) هذه المرة متصلة بتحذير بل تهديد الشخصيات الضالعة في عرقلة الاتفاق السياسي، والعابثة بمسألة كون النفط ثروة وطنية سيادية، يجب على الجميع تجنب محاولة وضع اليد عليها لاستخدامها لأغراض سياسية، لما في ذلك من تهديد أن يتجه المجتمع الدولي لاتخاذ خطوات وقائية خطيرة ليس أقلها معادلة “النفط مقابل الغذاء” بل قد يصل إلى تجميد أرصدة العوائد النفطية أيضا، وإحالة ملفات الأشخاص إلى محكمة الجنايات الدولية وفق القرارات الأربعة التي ذكرها البيان.
إذا البيان جاد وحاسم وقوى وليس كما يظن البعض أنه غير ذي جدوى، أو مجامل لبعض القراصنة وبتدخل دولي داعم لهم من قبل بعض الدول، بينما بيان مارس 2017 على الرغم أنه جاء بلغة أكثر حذا وبعدا عن التحدي والتحذير مما جعل رئيس البرلمان الليبي يعلن عن تسليم النفط للمؤسسة في أقل من ساعتين من صدور البيان حينه، لا يمكن اعتبار بيان يونيو 2018 اليوم مجرد حشو أو لغو وتلاعب بمصلحات الأدب السياسي دون أن يكون له أي تأثير على سلوك الدول الموقعة عليه، وأنه غير كافي لردع القراصنة بالنفط الليبي، بدون شك الأيام حبلى وستكشف الأحداث عن ساق لكل من يظن أن العبث خيار ممكن لتحقيق تفوق نوعي يحقق له خيالات احلام يقظة مفزعة يوم أن يجد جد الأمور وتستقيم مجرياتها على غير حساباته وبخلاف رغائبه، اليس الصبح بقريب؟
التدوينة قرصنة النفط بين بيانين ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.