طرابلس اليوم

الأربعاء، 3 مايو 2017

فقه الأمر والنهي

,

شكري الحاسي/عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

من الكوارث التي عاشها، ومارسها الخطاب الإسلامي طيلة ثلاثين سنة تقريباً، وأقصد الخطاب السلفي المنسوب إلى السلف الصالح؛ حد زعمهم.!

من اطلاق العنان دون قيد، أو شرط، ودون مكابح تُلجم نزعات الانفلات الفطري، والعقلي في أخطر مراحل  الإنسان ( مرحلة الشباب)   والذي ساد فيه خطاب التعميم في كل جوانبه؛ فلم يُفرق بين الأصول، والفروع، ولا بين الكليات، والجزئيات، ولا بين الفرائض، والواجبات، والسنن، ولا المستحبات. فجاء خطاباً عاماً. ما أدى إلى فوضى علمية، وفكرية لا أظن أن تاريخنا عاشها يوماً من الأيام. لم يفرق فيه سامعُوه بين تلك المسميات، والقواعد العلمية التي أصل لها علماء كِبار، و عظماء أفذاذ، حتى اختصروها في أذهان البسطاء، وأنصاف المتعلمين فكانت وبالاً عليهم، وعلى من بناها في أذهانهم فلما عم الوباء، وطم  استيقضوا، ولكن!! لا لمراجعات حقيقية بل الانسلاخ من تبعة المسؤولية، وعدم الاعتراف بذلك ورمي الآخرين بها.

والغريب في ذلك التوجه الذي ساد تلك المرحلة، ولا زلنا نعيش تبعاته حتى اليوم. دائماً يزعم انتماءه إلى أعلام كبار من أفذاذ المدرسة السلفية القديمة أمثال ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم. والمطالع المنصف يجد البون شاسع  بين المدرستين، بل بين شخصيات  كبيرة بلغت من الاجتهاد الذروة، وكان لها السبق في ميادين العلم أصولاً، وفروعاً، روايةً، ودرايةً.

فلا أدري إلى الآن لماذا تم تجاهل تلك الثروة الضخمة الهائلة  التي حفلت بها كتب الإمامين الجليلين في فقه الدعوة، وفنها. ؟؟!!

فهذا إعلام الموقعين عن رب العالمين.(لابن القيم) وما فيه من دُورر، وكنوز عظيم ؛ في الفقه، والفتوى، والأصول، والمقاصد. وإنني دائماً  أتسأل لماذا لانجد لها وجوداً في واقعنا ؟! يقول العلامة ابن القيم عن فقه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر:

فإنكار المنكر أربع درجات الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.

الثانية:   أن يقل وإن لم يزل بجملته.

الثالثة:  أن يخلفه ما هو مثله.

الرابعة:  أن يخلفه ما هو شر منه فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.

ثم يعقب، ويقول:  إذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو، ولعب، أو سماع مكاء، وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيراً من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك؛ فكان ما هم فيه شاغلاً لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلاً بكتب المجون، ونحوها، وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع، والضلال، والسحر فدعه، وكتبه الأولى؛ وهذا باب واسع.

ثم ينقل عن شيخه فقيول:  وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله روحه، ونور ضريحه- يقول: مررت أنا، وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه وقلت له إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبئ الذرية وأخذ الأموال فدعهم .

وكان قبل ذلك قد أكد العلامة ابن القيم عن قاعدة عظيمة وقع بسببها جورٌ على الشريعة عظيم فيقول:   هذا فصل عظيم النفع جداً؛ وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة؛ أوجب من الحرج، والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به فإن الشريعة مبناها ،وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش، والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها فكل مسألة؛ خرجت عن العدل إلى الجور ،وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله.

وهذا شيخه ابن تيمية يقول: من يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده مطلقاً من غير فقه وحلم وصبر ونظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح ، وما يقدر عليه وما لا يقدر..  ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه؛ بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله ،والسعي في زوال طاعته، وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات ، وإن كان المنكر أغلب نهي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمراً بمنكر، وسعياً في معصية الله ورسوله .

وإن تكافأ المعروف، والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما، ولم ينه عنهما. فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف، والمنكر متلازمين؛ وذلك في الأمور المعينة الواقعة .

إن فقه الأمر، والنهي الذي تعج به كتب الإمامين، ومن سلك سبيلهما لم نرى له أثراً في الخطاب السلفي المعاصر مع ارتفاع الدعاوى بالانتماء إلى إليهما. وإني أقول جازماً لو سلك الخطاب الإسلامي المعاصر فقه الإمامين لما وصلنا إلى هذه الفوضى في الساحة الدعوية المعاصرة.

إن السيرة النبوية العطرة مملؤة  بفقه المقاصد .وما امتناع  النبي  عن هدم الكعبة، وإعادة بنائها من جديد إلا مخافة حداثة المسلمين الجُدد أن يُفتنوا عن دينهم من هدم البيت الذي له مكانة مقدسة في نفوس العرب في جاهليتهم.!  وكذلك امتناعه  عن قتل ابن سلول مخافة الرأي العام ؛ بقوله ماذا يقول الناس محمد يقتل أصحابه.!

كما إني أقرر أن المدرسة السلفية المعاصرة اختطفت ابن تيمية، وتلميذه زوراً، وبهتاناً فالفرق بينهما شاسعاً، والهوة كبيرة.

التدوينة فقه الأمر والنهي ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.



0 التعليقات على “فقه الأمر والنهي”

إرسال تعليق