عبد الفتاح الشلوي/ عضو المؤتمر الوطني العام السابق
لا خلاف بيننا حول شيوع حالة الانفلات الأمني في ليبيا، عقب اندلاع ثورة فبراير، وما نجم عنه من فوضى طالت المواطننين والمقيمين، وأضحى البعض يخشى المجهول القادم، وإن كان بمنأى عن مخاطر الصدام والاحتكاك، صحيح أن الانفلات يختلف من منطقة إلى أخرى، سواء بالممارسات أو بالشيوع، وتنوعه حسب الظروف الناجم عنها ، غير أن هناك تساؤلاً غالبًا ما يطرحه الليبيون حول المسألة الأمنية خلال سلطة سبتمبر، حتى أنهم أصبحوا يتغنون بها اليوم، مقارنة مع الحالة التي يعيشونها من خطف، وقتل وابتزاز مادي ومعنوي، وبلطجة هنا وهناك، ونهب للمال العام والخاص، وهشاشة الأجهزة الرقابية، وغيرها من الأمور التي تُحزن المواطن، وتبعث فيه النكوص والاحباط .
لكن لماذا بكى وتباكى البعض منا على أمن الأمس وسلطته، حتى وإن كانوا غير قليلين، خاصة ممن صنعوا تحول فبراير، وهم فيه فاعلون؟
يذهب البعض الى أن القذافي كان يبسط الأمن الشمولي على كافة أرجاء الوطن، ويذهب أخرون الى غير هذا ، ذلك بأن رأس الهرم بسلطة سبتمبر في ذلك الوقت، ممثلا في شخص معمر القذافي، كان يصب كل الإمكانيات المادية والمعنوية لتثبيت أرجل كرسي عرشه الأربعة كافة، ولا يمكنني هنا أن أصطف بالمطلق مع الرأي الأول ولا مع الرأي الثاني، خاصة ونحن نتحدث عن الجانب الأمني بالبلاد في ظل ظروف شائكة ومتداخلة، ويلعب فيها العاملان الداخلي والخارجي دورًا كبيرًا، سواء بشكل عارض، أو مع سبق التخطيط و الإصرار، ويظل الأمر قيد الطرح والخوض.
صحيح أن القذافي قد خلق مساحة من الأمن حتى وإن كانت في ظل صورة أمن السلطة، رغم ما كان يلفها من تناقضات، فمثلاً كانت تثور ثائرة الأجهزة الأمنية في جغرافية ليبيا بتضاريسها وطقسها فيم لو تعلقت المشكلة بأمن السلطة، من قريب أو من بعيد، أو حامت شبهة من الشبهات حولها، عندها لا تفريط ولا تراخي، بل إفراط وتشديد بالقبضة الأمنية، وغالبًا ما يتم فك المعادلة مهما بلغت درجة تعقيدها، وكانت الأجهزة تسخر كافة الإمكانيات، وتعمل بمهنية لا يمكن لمنصف إنكارها، رغم تجاوزاتها وقمعها في بعض الأحيان، وبالمقابل قد يتمكن بلطجي سكير عربيد من تعطيل حركة السير بأحد الشوارع، وأعين السلطة ترقبه، دون أن تعيره أي اهتمام، لهذا السبب أو ذاك، أو أن تعلق قبيلتان احترابًا علي أي مشكلة من المشاكل ويترك لهما اختيار توقيت إنهاء المشكلة وكيفية طي ملفها، لقد كان لعملية التصعيد الشعبي أثرًا كبيرًا في تهلهل القبضة الأمنية، من خلال دعوة القذافي لعدم التدخل بالتفاعلات الشعبية ( كما كان يصفها ) مهما بلغت حدتها.
وإزاء تلك الخلطة غير المتجانسة، فقد سطت الحلول العرفية علي الحلول القانونية، خاصة فيم يتعلق بقضايا الأذى البسيط، والقضايا المادية، والنزاعات القبلية على الأرض وموارد الماء والكلاء، وإن تعدت بعض الحلول العرفية الضوابط الشرعية في بعض القضايا، كالسرقة والزنا والقضايا الأخلاقية، لكنها أدت لحلول وإن كانت توصف بالعرجاء لدى البعض، هذا الأمر أضعف سلطة الدولة، وإن كان لإقرار بعض مراكز الشرطة لمثل هذه الحلول الدور الكبير في شيوعها، ناهيك عن اعتبار لجان الصلح الشعبي بالمحلات في ذلك الوقت درجة أولية من درجات التقاضي( إن جاز لنا الوصف ) فمركز الشرطة يشترط الحصول على شهادة سلبية من لجنة المصالحة مفادها عدم تمكنها من التوفيق بين المتخاصمين لهذا السبب أو ذاك.
وبهذا جاز لنا أن نقر بوجود سلطة اجتماعية موازية خلال تلك الفترة، معززة باعتماد “القيادة الشعبية الاجتماعية” إحدى مكونات سلم السلطة في ليبيا في ذلك الوقت، ولكونها – القيادة الشعبية – قد تغلغلت بأركان سلم السلطة، وأصبحت المناصب تنفذ من خلالها في بعض الحالات، فقد دان لها مجتمعنا القبلي بطبيعته، فقويت شوكتها، خاصة بالمدن الصغيرة والقرى والمناطق التي لا ترقى لمكانة القرية، واضمحلت بالمدن، لكنها لم تتلاشى بها حتى من خلال الوصف المدني والحضاري.
ومن الواضح للعيان أن هذه السلطة الاجتماعية ممثلة بالمرجعية القبلية، قد افتقدت قوتها، وتبعثرت سطوتها اليوم، بشكل ملحوظ، وأن الانفلات المرجعي طالها أيضا، حتى وإن كنا نلاحظ محاولات لإعادة رص المداميك القبلية، ومحاولة بناء جدرانها بشكل له أن يلفت النظر إليها، ويجعل لها مكانتها بمحيطها الاجتماعي، وليتسنى لها لعب درو سياسي، أو تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية باسم الكيان أو القبيلة، وفي الواقع أن جُل هذه المكاسب هى لسادتها والمتنفذين منها، حذاق الأمس، وشطار اليوم، هذا الضعف بالمرجعية القبلية، مع بروز عاملي المال والسلاح، أظهر لنا حقيقة لا يمكن لنا تجاهلها اليوم، وهو تزامن هشاشة السلطتين الأمنية والاجتماعية، مع تقديرنا لرؤية البعض وتحفظهم حول دور القبيلة بالدولة المدنية، دون أن نغفل محاولات المجاهرة بالأمن وبسطه وتطويره، ولو بقدر، كما يجري اليوم بالعاصمة طرابلس، من خلال ما هو ظاهر للعيان، رغم ما يحدث من خروقات، لتظل مسألة وجود السلاح وانتشاره خارج الرسمي هى العامل القادح لانفجار الانفلات الأمني وهشاشته.
التدوينة هشاشة أركان السلطتين ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.