أحمد الدايخ/ كاتب ليبي
إذا منّ الله عليك بزيارة لبيته الحرام وأداء مناسك الحج ، فستأخذك عظمة ذاك البيت وجلال المنظر وتختلج فؤادك مشاعر فياضة ، كيف وأنت أمام قبلة المسلمين ومهد الرسالة ، تستشعر فيها أحداثاً وتاريخاً وصوراً ومشاهد تزيد من فيض إيمانك و تتعايش معها كما اللحظة التي أنت أمامها ، ويأسرك هدير تلك الجموع التي تطوف بالبيت العتيق ، في مشهد مهيب تتعالى فيه الأصوات معلنة بوحدانية الملك سبحانه وإفراده بالعبودية والكمال .
تقلب ناظريك في هذا المنظر العظيم وتتأمل في حكمة الخالق سبحانه من هذه العبادة وكيف أن الناس قد تساووا في صعيد واحد بلباس واحد ، وهو أيضاً عبادة بالغة التحدي ؛ ففيه يسير الحاج في ظل حرارة حارقة، ويكافح ليجد مكاناً للصلاة والدعاء وسط مئات الآلاف الذين يفعلون الشيء نفسه ، ويصطفون من أجل الطعام والحاجات الأساسية ، فهي تعويد على ضبط النفس واحتمال الأذى والصبر والتواضع ومدرسة لتطبيق الأخلاق الاجتماعية الإسلامية .
و يزداد الجلد ويعظم الابتلاء في ذلك الموطن الذي تُرمى فيه الجمرات حيث يزدحم الخلق ويشتد الحر ويبلغ التعب منتهاه لتشعر بشيء مما ابتلي به إبراهيم عليه السلام وأمره بذبح ابنه في ذاك الموطن ، فالحجاج يسيرون على خطى النبي إبراهيم عليه السلام ، كما يجتهدون في زيارة مكان العبادة الأول للنبي صلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي الذي زاره جبريل عليه السلام ونزلت فيه آيات العلق ( اقرأ ) لتصيبهم شيء من نفحات الإيمان بعد ذاك العنت والمشقة في صعود جبل النور ، ولكن سرعان ما يشتت انتباهك ويقطع ذلك الانسجام التاريخي و الإيماني الذي تستشعره ذلك الجسر المعلق بين السماء والأرض والذي يتصل في جهته الأولى بأحد المباني الضخمة وفي الجهة الأخرى بالحرم ذاته ، وعند السؤال عليه اتضح بأنه قصر لضيافة الرؤساء والملوك وضيوف ملك السعودية وأمرائها ، يرتفع هذا الجسر فوق رؤوس الحجاج ويتجاوز هذه الجموع ليصنع مطافاً خاصاً يطوف فيه رواد هذا القصر وضيوفه في تعبير صارخ لترسيخ معاني الطبقية والتعالي على الآخرين !! تتبعثر كل المعاني التي يصنعها الحج وتخلقها هذه العبادة لتحيا أشكالاً أخرى من ألوان الترف والتباهي في موطن يجب أن يظهر فيه التقشف وكمال الخضوع والانقياد لله وفي رحلة تكون بعيدة عن كل صنوف الرأسمالية والطبقية والتي تؤدي إلى الانتقاص من روحية التجربة ومن المساواة التي تجسدها هذه الشعيرة .
عندما يصدح الإسلام بأن لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى ولا لأبيض على أسود أو غني على فقير ولا لحاكم على محكوم إلا بتقوى الله ، تقوى الفكر وتقوى الخلق فإن التأمل في هذه القاعدة يقودنا لمعرفة الفارق بين التفاوت الذي أقره الإسلام وبين الطبقية التي أنكرها ، فالإسلام يعتبر التفاوت شرطاً من شروط استمرار المسيرة البشرية ، وحافزاً نحو التطور والكمال ، ونتاجاً للسعي وميزاناً للكفاءة ، وفي الوقت ذاته يرى الطبقية امتهاناً للإنسان وأداة للظلم .
فبناء على الموقف الثابت للإسلام من الطبقية واعتماداً على الرؤية النبوية التي أقرت أن الناس سواسية كأسنان المشط ، لابد من محاكمة هذه الظواهر التي أصبحت تتنامى بشكل مفزع والتي تلبس ثوب الطبقية .
ومن طبقية أهل الحكم والساسة لابد أيضاً للإشارة إلى طبقية الأثرياء والترسيخ الذي توطنه المملكة السعودية في تلك المشاعر المقدسة ففي ( منى ) والتي تبلغ مساحتها نحو 16.8 كم مربع والتي يتزاحم فيها نحو 3 ملايين حاج ، حيث يتم اقتطاع مساحة ليست بالقليلة لتُوضع فيها مخيمات تصل التجهيزات فيها إلى حد الترف من بوفيهات الطعام وكراسي المساج ، وتوفير داعية من نجوم الفضائيات لإعطاء موعظة خفيفة ، ونزلاؤها هم رجال الأعمال والسياسيين والفنانين والرياضيين ، ويقف على أبوابها الحرس لمنع أي شخص من الاقتراب منها !! إن ظهور هذه الفوارق المادية الصارخة والتي تمثل رمزاً للتفاوت المتزايد بين الفقراء والأغنياء وبين الساسة والمرؤوسين في أقدس مدن المسلمين ، يطرح في عقول الحجاج تساؤلاتٍ عن قيم المساواة والبساطة التي جاء بها و فرضها الإسلام .
إن سيطرة مثل هذه العقول الرأسمالية على الحج والمشاعر المقدسة هناك سيحول الحج من كونه رحلة إيمانية قائمة على الزهد والتواضع إلى مجرد شعيرة مادية ، وعطلة مسلية ، وساحة استعراض لبالغي الثراء كي يستعرضوا أموالهم ، فهناك حاجة ماسة لإنقاذ الحاج من براثن الاستغلال الطبقي و التجاري ، لا سيما في مهبط رسالة المسلمين وفي بقعة طاهرة تفتخر بدين يقف بشدة ضد الطبقية والاستغلال .
التدوينة بين قصر الضيافة و البيت الحرام ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.