أحمد الدايخ/كاتب ليبي
يعاين الإنسان في يومه كثيراً من المناظر والمشاهد باعتبار حاسة النظر التي أنعم الله عليه بها ويتقلب في كامل يومه بين بيته وعمله وفي الشارع والطرقات يشاهد بديع خلق المولى سبحانه في عالمٍ يزخر بالبشر والأشكال والألوان المتعددة ، يستمد معارفه من المدرسة والجامعة وما يراه من بساطة الناس وسهولة طباعهم و مدى رضاهم بحياتهم وأشكالهم ، ينتظر العيد أو المناسبات الأخرى لكي يأتي أحد أفراد الأسرة بكاميرا فيلبس الجميع أجمل ثيابهم وأحسنها ويصطفوا لالتقاط الصور التذكارية وينتظرون أياماً لتظهر على هيئة كروت وترتب في ألبوم تعود بذكريات طيبة كلما فتحت هذه الصور، وتحكي قصصاً جميلة وروابط عائلية واجتماعية صافية نقية .
ثم تطور عالم الصورة والتصوير فأصبح يغزو الإنسان في كل حين وتسارعت التكنولوجيا في تطوير الصورة وطرق التقاطها فصارت تلتقط في كل لحظة وثانية وصارت الكاميرات متوفرة في يد الجميع في كافة الأوقات فلا أحد يستغني عن الموبايل ولا الموبايل يخلو من الكاميرا ، صارت تُصنع الأحداث من أجل التقاط الصورة بعد أن كانت تلتقط الصورة للاحتفاظ باللحظة وصارت الصورة أهم من أي شيء ، وأصبحت الصورة هي عماد المجتمع الإعلامي والإعلاني كما يسمى ، وتطورت معها طرق النقل والبث التلفزيوني ووسائل ووسائط الميديا والدعاية حتى أصبحت الصورة تملأ المكان فهي في شاشات التلفزيون و المجلات والهواتف المحمولة والمحلات و لوحات الإعلان والملابس والأكواب لترتبط لدى الإنسان بالانفعال والحركة والتخيل والغرائز، وكل الجوانب المهمة والمؤثرة في حياته وعالمه ، فصرنا إلى عصر نخشى معه أن تأخذ الصورة دور الوساطة في المعارف الإنسانية والعلاقات البشرية وأن تحل محل مصادر الوعي المختلفة وأن تشكل للإنسان واقعاً لا يفهمه ولا يحسه إلا عن طريقها _الصورة _ لا سيما وأنها تعطل الحواس الأخرى وتحفز الغريزة والمتعة ، لأن تلقيها لا يتطلب جهداً أو تركيزاً على خلاف ثقافة الكلمة ، فهذه الأخيرة قائمة على سلسلة من الكلمات المترابطة والتي تحتاج إلى إدراك العلاقة بينها .
وانتقلت بنا الصورة التي تتوالد فيما بينها وتضغط وتؤثر وتهيمن إلى عالم مليء بالأشكال والدمى والأشياء وتندر فيه الأفكار والقيم الحقيقية للحياة والإنسان ، وسادت ثقافة الكثرة والاستهلاك والتقليد والمحاكاة .
ومن أبرز السلبيات أيضاً هو تعلق الناس بالمظهر والشكل واللمعان دون الجوهر والعمق والمضمون ، وإغفال القيمة الحقيقية لأي موضوع ، فتجد حتى الإنسان نفسه قد انتقلت به من قيمته البشرية وفكره الإنساني إلى شكله ومظهره ولونه ، فتجد الصَرْعات والموضة وتسريحات الشعر تتغير فقط لأن الفنانة أو النجم قام بتغيير مظهره ، وستندهش عندما ترى ذلك الشاب أو الفتاة يبكي في برنامجٍ أمام شريحة عريضة من المتفرجين يشاركونه آلامه بسبب كبر حجم أنفه أو اعوجاج في أسنانه أو تساقط شعره ، وبعد عملية التجميل أو الزرع استطاع الشاب أن يكسب ثقته في نفسه واستطاعت الفتاة أن تحظى بعلاقة حسنة مع والدتها !!
وكأن سبب الفشل في العلاقة مع الوالدين أو الفشل في الحياة يعود للمظهر والشكل و لا يلتفت إلى أصل العلاقة الإنسانية أو المهارة أو تطوير الفكر و العقل .
لقد تغيرت نظرة الإنسان لنفسه في ظل هوس الصور وتكوينها التقني وإشباعها بالألوان والمؤثرات والأصوات واتخاذها رمزاً ورأساً للهرم ، ولكننا في الوقت ذاته لا ندعو إلى إلغاء هذا الوضع القائم فإنه لا يملك أحد إلغاءه بقدر ما ندعو إلى ترشيد خطاب الصورة والإعلام بصفة عامة وهذا ليس مستحيلاً حيث تدل تجربة بعض البلدان المتقدمة على حرصها على تدريس مواد تتعلق بوسائل الإعلام بهدف وضع التلاميذ على مسافة من تأثير الوسائل الإعلامية ، فقد توضع كمادة نقدية باسم النقد الإعلامي كما في السويد ، أو يجري إدماجها في العملية التربوية بهدف تعويد الطلبة على التلقي الرشيد للمادة الإعلامية ، وحتماً سيساعد ذلك على تكوين مسافة نقدية إزاء المواد الإعلامية والإعلانية لدى الشباب ، ومن ثم تشكيل مفهوم جديد حول الصورة وعلاقتها بالإنسان والأفكار والأشياء .
إن الصورة اليوم تحتاج إلى إعادة بناء لتكوين لغة خطاب جديدة تؤسس لمرحلة تكون فيها القيم الإنسانية أكثر رسوخاً ؛ فالصورة مرت بمراحل كثيرة لكنها اليوم في حاجة إلى أن تتطور أكثر فأكثر بعمق فلسفي متين ؛ لتعيد تشكيل جيل جديد لايكتفي بالهوس الصوري ؛ بل ليخطو خطوات واسعة في مجال الارتقاء الإنساني .
التدوينة هــوس الصــورة ظهرت أولاً على ليبيا الخبر.